محمد سعيد ناود المبدع الذي لم يتوقف يوماً عن العطاء
إذا أراد التاريخ الحديث يوماً أن يعدّد أبناء إرتريا من المبدعين، فسيكون محمد سعيد ناود على رأس هؤلاء المبدعين. لأن ناود رائد في مجال العمل الوطني، ومبدع في مجالي الأدب وكتابة التاريخ السياسي والثقافي لإرتريا، ومنذ كتابه الأول "قصة الاستعمار الإيطالي لإرتريا" الذي صدر عام 1970 لم ينقطع ناود عن الكتابة والبحث في سمات التركيبة الاجتماعية لشعب إرتريا، وعلاقات هذه التركيبة بالشعوب المجاورة والبعيدة، سواء أثناء عمله في النضال من أجل التحرير أو بعد الاستقلال.
في مجال العمل الوطني كان محمد سعيد ناود رائداً في تبني نظرة متقدمة تحمل أفقاً ممتازاً لصيغة النضال الوطني ضد الاستعمار الإثيوبي، تعتمد العمل الحزبي المنظم داخل المجتمع للنهوض أولاً بمستوى ما يسمى آنذاك "الوعي السياسي للجماهير بحقوقها وطرق الدفاع عنها". وجاء هذا الخيار نتيجة خبرة تراكمت لدى ناود من متابعته عن كثب لعمل حركات التحرر، ووجوده الشخصي في معمعة ما يطلق عليه يومها ارتفاع صوت الثورة على الاستعمار، وهو الصوت الذي وسم نهاية وبداية النصف الثاني من القرن الماضي. وكان لتجربة ناود في العمل السياسي مع الحزب الشيوعي السوداني، الذي امتاز باستقلاله الوطني عن طروحات وهيمنة موسكو، أثره الإيجابي على تفكير ناود ومنهجه في العمل الوطني. إلاّ أن الأثر الأعمق الذي تناغم مع شخصية ناود، وانسجم مع طبيعته العقلانية الرزينة، جاء من شبه القارة الهندية التي خاض فيها المؤتمر الوطني الهندي بقيادة المهاتما غاندي نموذجاً جديداً في النضال من أجل الاستقلال، وهو نضال اللاعنف. لذلك، عندما أسس محمد سعيد ناود ورفاقه "حركة تحرير إرتريا" اعتمد برنامجهم النضال السلمي لإنقاذ إرتريا من الهيمنة الإثيوبية التي كان هيلاسيلاسي يعمل على تحويلها إلى نوع صريح من الاستعمار بعد إلغاء القرار الدولي الفيدرالي بين البلدين. ورغم الجذور اليسارية لناود، إلا أن جذوره الوطنية الإرترية كانت الأقوى أثراً على نفسيته وتوجهه الفكري، فحين اتفق الرفاق السبعة الأوائل على برنامج الحركة وقرروا موعد انطلاقها في 2/11/1958 وضع ناود بينهم كتاب القرآن ليقسموا على الالتزام بالعمل الوطني الجديد، ولم يضع كتاب ماركس أو لينين. وقد خاض ناود فيما بعد جدلاً مريراً مع قوى اليسار العربي والعالمي، المذعنة لسيطرة المخابرات السوفيتية على نشاطها الفكري والسياسي، من أجل إقناع تلك القوى بشرعية نضال الإرتريين ضد الاستعمار الإثيوبي، كونه لا يختلف في طبيعته وتصرفاته عن أي استعمار آخر كانت موسكو تدق الطبول للتشهير به حتى لحظة انهيار إمبراطوريتها. كانت ريادة محمد سعيد ناود تتجسد في مسعاه لإبعاد الطابع القبلي والطائفي عن العمل الوطني بتأسيس حركة للتحرر تنظر إلى الإرتري كعنصر فعال يساهم في نشاط وطني مفتوح للجميع، بمعزل عن الانتماء القبلي أو الطائفي، لمقاومة مؤامرة أثيوبيا الخاصة بتحويل إرتريا إلى مستعمرة تابعة للتاج الإمبراطوري. وكان لهذا الطرح أثره السريع في انضمام آلاف الإرتريين من سكان المدن إلى "حركة التحرير الإرترية" ومن جميع مركبات المجتمع. غير أن الريف الإرتري، الذي لا يختلف عن أي ريف آخر في نزعته إلى روح القبيلة والطائفة، اكتسح في طريقه أول مسعى متحضر وسليم لجمع الصف الإرتري في مواجهة عدو خارجي. بعد اندماج حركة التحرير الإرترية والجبهة الشعبية بقوات التحرير الشعبية إثر مؤتمر سدوحاعيلا عام 1970، وجد محمد سعيد ناود فرصة تناسب شغفه بالكتابة عندما اختير لتولي مسؤولية مكتب الإعلام الخارجي في بيروت. هناك أطلق عليه رفاقه في التنظيم لقب "الراهب" إذ كان ناود ينزوي داخل بيته بعد الانتهاء من عمله في المكتب وينشغل في البحث والكتابة إلى وقت متأخر من الليل. ولم تكن بيروت في فترة ازدهارها بداية السبعينات تعني له شيئاً بقدر ما توفر له مكتباتها الغنية من مصادر للقراءة والدراسة والبحث. في بيروت فاجأنا ناود بتسطير أول وأهم عمل روائي في تاريخ إرتريا الحديث وهو "رحلة الشتاء والصيف" أو – صالح -. والرواية تعتمد السيرة الذاتية لتصوير الحياة الاجتماعية والثقافية لسكان الريف في تقاليدهم ورحلتهم السنوية الجماعية من غرب وشمال إرتريا إلى أراضي السودان الجنوبية كسباً للرزق في مواسم الخصب. وكنا سعداء بهذا العمل الذي أنجزه ناود، لأنه عرّف الأوساط الثقافية العربية بالقدرات الإرترية الخلاقة في مجال الإبداع الأدبي، بعد أن عرفوا صلابة أبنائها في الدفاع عن قضيتهم العادلة. إلاّ أن ناوداً لم يجد الفرصة الكاملة للتفرغ إلى البحث والكتابة إلا بعد استقلال إرتريا، فبعودته إلى أسمرا بنى صومعته الخاصة، وانكب "الراهب" يدرس كل أثر ويقلّب كل حجر في أرض الوطن ليكتب عن إرتريا وتراث شعبها، حيث نشر عدداً من الكتب والدراسات تغطي المجالات السياسية والثقافية والتاريخية، القديمة والحديثة، وشملت حتى الأمثال الشعبية والأعلام من الشخصيات الوطنية، وهو ما يزال يعمل ويحلم، رغم الإرهاق الذي أصاب نظره، باستكمال الإحاطة بكل تاريخ إرتريا الذي تعرض للإهمال في فترات الاستعمار الإيطالي والإنكليزي والإثيوبي. بالإضافة إلى التأليف، يعتبر ناود من كتّاب المقالات السياسية المميزين في إرتريا، ولو جمعنا ما كتبه ناود من مقالات وبيانات سياسية وتعليق في مرحلة بيروت وحدها، لملأت أوراقها شاحنة من الحجم المتوسط. ولم يكن يجاريه في التأليف والكتابة إلاّ الزعيم الراحل عثمان صالح سبي، الذي انقطع عن التأليف بوفاته في إحدى مستشفيات القاهرة، المعروفة بالإهمال والتقصير، إثر عملية جراحية بسيطة للجيوب الأنفية. فقد وجد المرحوم سبي في محمد سعيد ناود قدرة هائلة على المثابرة سواء في الكتابة أو في إنجاز المسؤوليات التنظيمية التي تناط به. كان ناود وسبي يمثلان طاقة دائمة التجدد في الكتابة والتأليف ونشر الوثائق الدولية التي تدعم الحقوق القانونية لإرتريا في الاستقلال، إذ أسس الزعيمان خلال عشر سنوات ما يمكن اعتباره أول مكتبة تشرح قضية إرتريا وتاريخ شعبها وتراثه الثقافي، ما زال ناود يواصل العمل على ملئ بقية رفوفها بالكتب! اليوم، وبانطلاق الموقع الشخصي للمبدع محمد سعيد ناود على شبكة الإنترنت، نأمل أن يضم الموقع أكبر قدر ممكن من أعماله الكتابية، لأن هذه الأعمال تمثل مرجعاً مهماً للأجيال الإرترية والعربية الحالية والقادمة، التي تريد الإطلاع على تاريخ هذا الوطن العزيز على قلب ناود، كما تقدم صورة موضوعية عن جانب كبير من نضال وتضحيات شعبه منذ أطلق حامد إدريس عواتي في سبتمبر من عام 1961، ومن جبال (آدال) في غرب إرتريا، أول رصاصة تعلن التمرد المسلح على الاستعمار الإثيوبي. عارف علوان كاتب وروائي