كانت تلك الحادثة بداية التنسيق الدقيق بين الدوائر الرجعية في السودان ذات المنشأ البريطاني وبين النظام الأثيوبي وقد حاول الصومال جهده عبر تفاني الأخ عبد الرحمن أحمد علي سفير مقديشو إلى الخرطوم فعل شيء للتأثير على الصادق ولكنه لم يوفق بالرغم من تلك الدعوات المفتوحة التي وجهها إليه لزيارة مقديشو . كان السفير الصومالي ينطلق في جهده من أجل فك الحصار الذي ضربه النظام الأثيوبي على الانفتاح الصومالي باتجاه السودان والقارة الإفريقية وفي سبيل تعزيز وضعية الثورة
الإرترية التي كان هو شخصيا أحد أكبر معاونيها ، ولا أنسى أيضا المجهود الذي بذله الدكتور حافظ الجمالي سفير دمشق إلى الخرطوم والذي عانى الكثير من بعض الأقلام المأجورة ، كلاهما كان مثالا للنبل والوفاء ولكن المهمة كانت أكبر منهما . أستمر التنسيق بين الدائرتين بهدف خنق الثورة في الريف الغربي من ارتريا وبهدف الحد من تقدمها باتجاه المرتفعات والسواحل الدائرة الإثيوبية والدائرة الموالية لها في السودان . وبحكم نظرتهم الفردية للأمور فقد ركزت أجراءتهم على الأمين العام ( عثمان سبي ) شخصيا بوصفه ـ على حسب تقاريرهم ـ من أكثر القيادات حيوية على مستوى العلاقات الخارجية وبوصفه من أبناء الساحل بل أبن مدينة " مصوع" بالذات وكان أن أبعد الأمين العام عن السودان وتسامحوا بوجود قيادات أخرى تنتمي للمنطقة الغربية فقط . ظنوا وقتها أنهم بمأمن عن مخططات الأمين العام واتجهوا لمحاولة استغلال بعض حساسيات التخلف الإقليمية في الواقع الإرتري لتمزيق أوصال الثورة في المنطقة الغربية . كانت بعض القيادات الإرترية تسير للأسف مدفوعة بخصوصيات معينة على هذا الطريق ولكن مع ذلك كان لابد من تحرك أبناء المرتفعات والبحر الأحمر لتركيز العمليات المسلحة في تلك المناطق الإستراتيجية الهامة بعد أن قضت الثورة مرحلة حضانتها في الريف الغربي . كانت الطاحونة تدور في كل إرتريا وتعمل بالذات على تصفية المقاومة في المثلث الخطر ، القيادة على الحدود كانت دون مستوى المسئولية أما القادة الإرتريين الذين سمح لهم بالوجود في السودان فقد كان شغلهم الشاغل إرسال التقارير الجزئية والمحدودة فقط . في تلك المرحلة بالذات والتي كنا في أمسّ الحاجة فيها إلى دمشق بدأت السكين التي شحذت في السودان تقارب أعناقنا هناك ، وصلت بعض قيادات الحدود والسودان ألينا ، حطت رحالها في عاصمة الأمويين وقبل أن تطلعنا على طرق مواجهاتها لما يحدث في الساحة طالبت بعزلي عن إدارة مكتب دمشق . كانت مستاءة لذلك النقد العنيف الذي سقته ضدها حول التوزيع الكمي للأسلحة وغير المتكافئ مع أوضاع القوات المتقدمة بالإضافة لماذكرته عن بعض الممارسات الخاطئة جدا على مستوى معاملة المقاتلين من المسيحيين بالذات . أراد الأمين العام أن يتحدى غير أني وقفت ضد ذلك وآثرت العمل بهدوء من قبو في شارع أبو رمانة . تلك كانت مسألة بسيطة جدا وقد انتهت ، وبدأت مسألة أساسية بمطالبة نفس العناصر " القيادية " بتحديد أو تقليص صلاحيات الأمين العام ، وللحق أقول أنني قد ذهلت لذلك المطلب ، فالأمين العام لم يزاول أي نوع من النشاط ضمن مواصفات لقبه في البطاقة كما انه لم يسبق أن منع أي منهم عن نشاط معين لمصلحة الثورة تحت زعم انه لايملك البطاقة المناسبة . تلك كانت إحدى المآسي التي عانت منها الثورة قد جاءوا للخارج لا دعما لنا في نشاطاتنا المحصورة التي يحتاجها الميدان الملتهب بنيران المدفعية الإثيوبية ولكنهم جاءوا عونا لضجرنا علينا ولكنهم في النهاية قيادات ولابد من التعامل معهم . ذلك كله كان بسيطا ولم يكن كافيا ، حادثة جعلت السكين المشحوذة في السودان أكثر التصاقا بأعناقنا .