الصادق المهدي وقصة الأسلحة المهداة للثورة الإرترية ـ1ـ
محمد أبو القاسم حاج حمد حين كانت طاحونة الموت تدار هناك بأسلحة أمريكية وبأياد إثيوبية للقضاء على الثورة الإرترية التي لامست المحذور من الأرض الإرترية كانت ثمة قوة عالمية بدت خفية للناس تلقي بشباك تأمرها الخبيث في دائرة الجبهة وفي دائرة الشرق الأوسط بهدف تطويق أي تحرك خارجي من شأنه أن يؤدي لصمود التجربة عموما في الداخل ولصمود المقاتلين في ذلك المثلث الخطر بالذات . إنها عملية مواجهة أكثر من مزدوجة بلغ من خبثها ووعيها أن استغلت كل نقاط الضعف في تركيب الجبهة وفي علاقتها الخارجية
نرجع أولا لذلك الأجراء الذي أقدم عليه " الصادق المهدي " في السودان ، كان السودان وقتها المنفذ الوحيد لإمدادات الجبهة في الخارج والطريق الوحيد الذي تعبره الدورات العسكرية للتدريب في الخارج ومن ثم العودة إلى ارتريا . كانت حكومة عبود العسكرية (1958ـ 1964) من أوائل الذين وقفوا في صف التآمر على الثورة حين أعلنت عن نفسها عام 1961 مع ذلك ظلت الجبهة تستخدم الأراضي السودانية على نحو سري وقد كنت في فترة من تلك الفترات شبه مضطلع بدور رئيس في تسيير أوضاع الجبهة في السودان وقد كانت في ذلك الوقت محدودة جدا وتتلخص في عدد محدود من صناديق الذخيرة والمعدات الطبية والأشراف على اللجان الشعبية الإرترية . لم تكن الثورة وقتها قد خرجت بعد من حدود الريف الغربي الملاصق للحدود السودانية ولم يكن العالم وقتها قد عرف عنها الشيء الكثير بالإضافة إلى إثيوبيا لم تكن قلقة بعد طالما ظلت هذه الثورة محصورة في المنحدرات والسهول الغربية وبعيدة عن مصالحها ومصالح حلفائها الإستراتيجية في المثلث الخطر أو " جنوب السويس " . بعد أكتوبر عام 1964 ونتيجة لقيام انتفاضة أكتوبر بدأت القوى السياسية في السودان تبدي تعاطفا مع إرادة الشعب الإرتري وقد كان دور اتحاد طلاب جامعة الخرطوم قياديا ومتضامنا حيث احتفلت الجامعة بأسرها بالذكرى الرابعة لانطلاقة الثورة كما أقامت معرضا ضخما عن منجزات الثورة وقاد الطلاب حملة تبرعات واسعة شملت قطاعات العمال والتجار والسياسيين . كانت تلك اللحظة أو اللحظات تلد بداية الارتباط الفعلي بين الشعبين المتجاورين على طريق مصالحهما المشتركة في التقدم والتحرير ولم يكن الأمر مساقا بالعاطفة المجردة فأكثر من مزدوجة بلغ من خبثها ووعيها أن أستغلت كل نقاط الضعف في تركيب الجبهة في أشعبنا في السودان يدرك الدور التآمري الذي تلعبه إثيوبيا بالتنسيق مع بريطانيا لإثارة عنف غير مبرر في الجزء الجنوبي من السودان ليس بهدف الانفصال للجنوب كما يبدو للعامة من الناس ولكن بهدف استغلال المشكلة الجنوبية المفتعلة بذكاء لاستنزاف موارد الشمال السوداني وإبقائه أسير التخلف . في الفترة من أكتوبر 1964 والى ابريل 1965 اشتركت كل القوى السياسية في السودان على نحو وطني في قيادة البلاد وقد كانت فترة قلق مشوبة بالحذر بالنسبة لإثيوبيا . كان المناخ الشعبي طوال تلك الفترة مهيأ لبدء علاقات جادة بين السلطة السودانية والثورة الإرترية غير أن يمين السودان ويساره على حد سواء كانوا يتخوفون إغضاب هيلي سيلاسي . ضمن تلك الأجواء كان لابد من التسلل إلى سلطة أكتوبر عبر من يمثل " الوسط " من وزرائها فوقع الاختيار على السيد ( محمد جبارة العوض ) والسيد ( الرشيد الطاهر ) وقد تمكنا من إقناع رئيس الوزراء آنذاك السيد ( سر الختم الخليفة ) بتمرير شحنة من الأسلحة السورية المهداة إلى الثورة الإرترية والبالغة ستين طنا . وصلت الشحنة وكان الأخ ( عثمان سبي ) يجري ترتيبات استقبالها في الخرطوم حيث أنزلت في أحدى ضواحي عاصمتنا المثلثة كما نسميها هناك . كان اليمين السوداني ( حزب الأمة ) متحالفا مع موقع من مواقع الوسط ( الحزب الوطني الاتحادي ) يتحرك باتجاه السلطة ولكن لم يكن قد وصل بعد . كان وقتنا ضيقا فانكببنا على تنظيف الأسلحة وشحنها إلى ارتريا عبر كل الطرق والمسالك . في فترة وجيزة تنبهت قوى اليمين لوجود أسلحة في السودان ـ أتصل الصادق المهدي بوزير الداخلية ( كلمنت أمبورو ) أحد أصدقاء الإمبراطور مستفسرا عن وصول شحنة أفرغت بمطار الخرطوم ولم يكن ( كلمنت أمبورو ) على علم بشيء واتصل بوزير الخارجية محمد احمد محجوب ، صديق آخر للإمبراطور ولم يكن أيضا على علم بشيء ، ودارت الأرض بسليل المهدي فلجأ لعقد مؤتمر صحفي في تمام الساعة 11 ظهرا أعلن فيه عن وجود أسلحة أرسلتها مصر لطائفة الختمية بالسودان لمنعه من الوصول إلى الحكم وللقضاء على الديمقراطية . كان الصادق المهدي يعلم وكل جزئية في شعر رأسه تعلم أن تلك الأسلحة قد جاءت لذلك الشعب المجاور المغلوب على أمره وقد ذهب إليه أحدهم قبل المؤتمر الصحفي ليعلمه بذلك ولكنه أصر على عقد مؤتمره وعلى أعطاء صورة مخالفة للواقع بهدف إحداث بلبلة يمنع بموجبها استمرار وصول تلك الشحنة للثوار وريثما تتقلد طائفته الحكم . كنت مع جزء من الشحنة أحاول ترحيله بالقطار المتجه إلى الحدود حين وصلني إشعار الأمين العام في تمام الساعة الثالثة تماما بأن ( الملاعين يتحركون على مقربة من المستودع ) . في تمام الساعة الخامسة من بعد الظهر داهمت الشرطة السودانية المقر وصادرت مايربوا على العشرين طنا أما أنا فقد كنت في طريقي إلى الحدود حيث أوصلت مامعي بسلام إلى أيدي الثوار ، هناك في الحدود علمت بأن الامين العام عثمان سبي قد أعتقل برفقة 13 من الكادر العسكري . ومن بعد( الصادق ) تحركت السفارة الأثيوبية في الخرطوم على مستوى بعض الصحف السودانية المأجورة بهدف أحداث البلبلة والتعتيم . كانت العناوين البارزة ( أسلحة مصرية لحزب الشعب ) ... ( تدخل القضاء على الديمقراطية ) ... ( أضربوا بشدة على العابثين ) . لم يكن ثمة أحد في الخرطوم من قادة جبهة تحرير ارتريا للرد على هذه الافتراءات ولتطويق الصادق قبل أن يكمل مخططه . عدت فورا من الحدود وأصدرت بيانا مطولا فضحت فيه كل شيء .. الأسلحة من سوريا ... مهداة للجبهة .. . وصلت الطائرات بتصديق مسبق من رئاسة مجلس الوزراء ... قائمة الأسلحة لدى أجهزة الأمن وعلى استعداد لإجراء معاينة لما وصل ولما ضبط ليتبين أن طلقة واحدة لم تسرب لأيد سودانية .... وتحركت أثر ذلك على كافة المستويات الشعبية ووجد الصادق المهدي نفسه في كمين محكم ... بدأت كل الصحف في شن هجوم مركز عليه وطرده طلاب جامعة الخرطوم من ندوة نظمها له بعض أنصاره هناك . كان ذلك التطويق قاسيا جدا بالنسبة للصادق المهدي الذي جاء من جامعة بريطانية ليمارس دوره السياسي لأول مرة في السودان بعد أكتوبر . كان يريد أن يبدو بمظهر الشاب المثقف الليبرالي وكان يركز على المثقفين الليبراليين بصفة خاصة والآن بدأت الثورة الإرترية تكشف أوراقه وارتباطاته قبل الأوان . قد فوجئ الرجل فقد كان يعتقد انه بوضعه الأمين العام عثمان سبي في السجن وبتأمين غياب قادة الجبهة الآخرين في دمشق والقاهرة سيتمكن من فرض صمت مؤقت لحين وصول طائفته إلى السلطة ولكن قل أن تأتي الجريمة كاملة . سارع بإطلاق سراح الأمين العام عثمان سبي وبدأ يتظاهر بالتراجع عن مواقفه مطالبا بشدة معرفة من كتب البيان ومن وزعه ولعله قد عرف ذلك ولكن ضمن وضعه المختلف تماما الآن في السودان .