د. خلف المنشدي عندما غادر عثمان صالح سبي هذه الدنيا بسبب المرض فانه دون شك لم يغادر التاريخ فقد كان ولا يزال مفصلا أساسيا من تاريخ الوطن الارتري، دافع عن وجوده وطالب باستقلاله بمختلف الطرق وكانت مهنته الأساسية إن جاز لي تسميتها كذلك هي تحرير ارتريا وتحقيق استقلالها الناجز ، ويمكننا هنا توصيفه بلغة العصر الحالية بانه كان وطنيا بلا عنوان سياسي، بمعنى انه لم يكن مهتما بالتفاصيل، تفاصيل اليوم التالي بقدر اهتمامه بان تصبح ارتريا وطنا مستقلا كامل السيادة، واتذكر في لحظة من لحظات يأسه رمى أمامي بصورة ضابط
ايطالي لا أتذكر اسمه الآن وصفه الفقيد الكبير بأنه صانع المشكلة الارترية لا لان الضابط الايطالي كان خصما للارتريين وانما كان من وضع اطار الوطن الارتري وبالتالي اعتبره عثمان صالح سببا في معاناة الارتريين، الذين كانوا يعانون الامرين وهم يطلبون العون من هذا وذاك. لم يغادر عثمان سبي لا اليوم ولا في مئات السنين المقبلة تاريخ ارتريا فهذا المعلم السابق بمدرسة حرقيقو الابتدائية استطاع ان يخلق لنفسه مكانة مميزة بين قادة التاريخ الارتري، وتلك المكانة دون شك ستصبح في يوم من الايام مدرسة يتعلم منها ابناء ارتريا شرف الكلمة وطريق الانتصار على تلك الظروف التي عاشها الرعيل الاول من قادة الثورة الارترية، وان كان الفقيد عواتي فجر الثورة بخمسة بنادق صدئة بعض تلك البنادق الخمسة لم يكن بمقدوره اطلاق النار فقد كان سبي وريثا حقيقيا لظروف عواتي فهو الآخر جاء يبحث خارج ارتريا عن دعم لشعبها وثورتها غير المعروفة دفاعا عن البنادق الخمسة الصدئة، وكانت بنادقه السياسية والاعلامية في سني وصوله السودان ودمشق وعواصم العرب صدئة هي الاخرى انعكاسا لبنادق عواتي فقد كانت ثورة عواتي مجهولة تماما، وكان وطن عواتي خارج خارطة هذه الدنيا بعد ان اعتبرته اثيوبيا جزءا منها، لكن عثمان صالح الفارس لم ييأس ولم يقنط، وواصل قتاله داخل اروقة النظام العربي فكون عن طريق الدعم العربي اساسا واحدة من اكبر حركات التحرر الوطني في افريقيا استطاعت فيما بعد رغم انشطارها ان تحقق استقلال ارتريا رغم ان الفقيد الكبير لم يشهد بنفسه ذلك الحلم الكبير الذي كان سببا في معاناته الجسدية والتي ادت لموته. من المهم الاشارة ان المعلم عثمان سبي طور قدراته الثقافية بشكل كبير وتحول الى واحد من اهم المثقفين الارتريين، كتب وأرخ لتاريخ وطنه وكتب الكثير من الابحاث عن ذلك التاريخ، وكان موته خسارة جسيمة لارتريا وهي التي لا تريد ان تتذكره بان تطلق اسمه على شارع من شوارع اسمرا او ساحة من ساحاتها او على الاقل شارع او ساحة في مصوع او حتى شارع في حرقيقو على اقل تقدير فكأن الاختلاف بالرأي لا زال قائما حتى بعد وفاة قائد من أطراف ذلك الخلاف ، وأي قائد هذا يا إخوتي أبناء ارتريا انه عثمان صالح سبي . فضل عثمان صالح ان كان يحق لنا ان نسمي الدفاع عن الاوطان بالفضل كبير وعميم على مختلف نواحي الحقبة التي سبقت الاستقلال المجيد للشعب الارتري، وبالتالي فان هذا الفضل يجب ان يقابله فضل من قبل اخوتي حكام الوطن الارتري الحالي بان يتم تكريم الفقيد عثمان صالح لانه مؤسس قوات التحرير الشعبية التي ولدت من رحمها الجبهة الشعبية والتي حققت استقلال ارتريا، انه قائد الثورة الارترية في الخارج منذ ايام عواتي، انه الشخصية الارترية التي استطاعت دخول منازل الناس في الوطن العربي، انه الذي عرفنا بالثورة الارترية بعد ان كنا نجهل حتى وجود الوطن الارتري، فقد كانت ارتريا مجهولة للجميع فبذل عثمان صالح طاقة فريدة من اجل تعريف الناس بها، وعندما التقيته لاول مره وحدثني عن ارتريا لعنت جهلي، ومنذ ذلك اللقاء الاول تحولت ارتريا الى هم مشترك حملته كما حمله عثمان سبي بين ضلوعي كما هي بين ضلوعه حتى ووري الثرى. عثمان صالح لم يغادر التاريخ الارتري ومن يريد ان يشطب او يمسح ذلك التاريخ فهو واهم لان التاريخ لايمكن مسحه او شطبه لانه هنا شاهد على افعالنا وعلى تركتنا والفقيد اصبح مفصلا من مفاصل التاريخ الارتري بحيث على الدارسين في المستقبل عندما يريدون دراسة تاريخ الثورة الارترية عليهم المرور بتاريخ الرجل فقد كان هو الثورة الارترية مع احترامي الشديد لمن يعاديه حتى وهو في قبره. قد تبدو شهادتي مجروحة بهذا الرجل نظرا لان الناس في ارتريا وخارجها يعرفون عمق الصداقة التي ربطتنا ويعرفون باني احتفظ له باعماق قلبي وضميري بمودة كبيرة لن اتخلى عنها ابدا وهو ميت ولم اتخلى عنها وهو حي، ودفاعي هنا عنه ليس بسبب تلك المودة التي ربطتنا بل لاني على معرفة حقيقية بانه كان وطنيا حقيقيا مثل التاريخ الارتري القديم والحديث وقدمه للناس وعن طريقه انتصرت قضية الشعب الارتري على الاقل في الخارج. تحية له في يوم ذكراه العطرة فهو حي في قلوبنا بإرثه وتاريخه وكفاحه من اجل الوطن الارتري الحبيب.