محي الدين علي تتزامن الذكرى الثالثة والعشرون لاستشهاد المناضل عثمان سبي مع الذكرى الثانية لانطلاقة موقع ( ناود للكتاب ) ولم يكن هذا التوافق مصادفة فقد أردنا أن تكون الانطلاقة وذكرى الاستشهاد مناسبتين هامتين من خلالهما نؤكد على الاستمرارية وعلى المزيد من النضال على خطى الشهيد ولاسيما في الجانب الثقافي وجانب الكتابة والتدوين والتوثيق والذي أعطاه الشهيد الجزء الأكبر من حياته ، فإلى جانب النضال اليومي الذي كان يخوضه في صفوف التنظيم والثورة على الصعيد السياسي والعسكري ورغم
مشغولياته الكبيرة والمتعددة فقد أولى الشهيد عناية خاصة بالتسجيل والتوثيق والنشر لعدد من الإصدارات الإرترية التي تمثل دون شك مراجع هامة لكل باحث ولكل دارس يود التعرف ليس على تاريخ وتجربة الثورة الإرترية وحسب بل وعلى التاريخ القديم والوسيط لإرتريا الشعب والوطن ، واحسب أن ذلك كان يمثل مرحلة متقدمة من الوعي والإدراك للشهيد من منطلق قناعته الراسخة أن المواطن المدرك لقضيته والمقاتل المتفهم لطبيعة نضاله وثورته وكيفية تمثله لأهداف الثورة هو الذي يمكن أن يعول عليه في استمرار الكفاح الذي يهدف إلى اقتلاع جذور الاحتلال من ربوع وطننا ويجنبنا مهاوى الانزلاق في الصراعات غير المبررة في صفوف الثورة ، وكثيرا ما كان يواجه بالنقد لاهتمامه بالجوانب الثقافية على حساب أصعدة أخرى وذلك من قبل بعض الجهلة ولعلهم أدركوا في مراحل لاحقة أهمية ذلك . يعتبر الشهيد سبي من القيادات الإرترية التي تفردت بتسجيل يومياتها بشكل دائم مسجلا فيها الأحداث الخاصة والعامة التي تمر عليه ، بالإضافة إلى انطباعاته الخاصة عن الشخصيات التي يلتقيها في إطار نضاله اليومي ، وقد سنحت لي الفرصة للإطلاع فيما سلمنيه أنجاله عن بعض الأوراق التي تتعلق بتلك اليوميات يبدو ومن أسلوب صياغتها واضطراب تنسيقها وخطها ومباشرة أسلوب الكتابة فيها ، يبدو أن الشهيد لم يكن يعدها يوما للنشر بل ولا أظن أن خطر في باله يمكن أن يطلع عليها أحد نظرا للتعمق في الخصوصية الشخصية والعائلية لبعضها ، بل كان يكتبها لنفسه مسجلا فيها خواطره وأحاسيسه بشكل مرهف ربما كان ينفّس من خلال تلك الأسطر عن الكثير من حالات الكرب والضيق التي كانت تنتابه من معاناة شعبه تحت ظل الاحتلال ومجاهداته مع رفاقه ، وكانت تلك اليوميات والتسجيلات بمثابة اعترافات يدلي بها لنفسه فتأتي مصداقا لحياته وتفكيره . ومع ذلك يمكن أن أؤكد أن هناك الكثير الكثير الذي لم يسجله الشهيد طوي في صدره باستشهاده لأنه كان يردد دوما أن هناك الكثير ممايود قوله وكتابته بمجرد انتصار الثورة حيث سوف يتفرغ للتأليف وكتابة مذكراته ويومياته . كثيرا ما سنحت لي الظروف لمجالسة الشهيد في منزله بدمشق ، وكانت سعادته ظاهرة وهو يدعوك للجلوس إلى مكتبته التي تغطي الجدران كاملا ، حيث يطوف بك الشهيد بين رفوف تلك المكتبة العامرة بأمهات الكتب العربية والأجنبية والوثائق النادرة للثورة الارترية ويأخذك في حديث شيق عن مؤلف بعينه مسترسلا في تفاصيل الكتاب والكاتب ، وأنت لاتستطيع سوى التركيز والمتابعة والاندهاش أيضا نظرا للأعداد الكبيرة للكتب ودقة تنسيقها وتجليدها ، ولظرف ربما يمكن التحدث عنه في مرة قادمة طلب مني مرافقة صناديق معبأة بتلك الكتب والوثائق ضمن سيارة شحن عسكرية تابعة لقوات الصاعقة الفلسطينية متجهة نحو العاصمة اللبنانية بيروت حتى تحفظ في دارته هناك ، ولكن يبدو أن مليشيات الحرب الأهلية اللبنانية في حينه كانت قدرت إن هذه الصناديق صيد سمين وتم الاستيلاء عليها من منزله الكائن في كورنيش المزرعة وتم الدخول بشأنها في مساومات ومفاوضات وتم دفع مبالغ طائلة لاستردادها ولكن يبدو أنها أي تلك الوثائق وجدت طريقها إلى أجهزة الأمن الإثيوبية وربما لأجهزة أخرى التي دفعت مبالغ طائلة للحصول عليها ، وكم كان الشهيد يبدي الحسرة والألم لفقدانها ، لأنه كان يقول هو لم يجمع تلك الوثائق وذلك الأرشيف إلا للآخرين الذين سوف يأتون من بعده يوما ما ويتمكنون من الاطلاع عليه والاستفادة من محتوياته . ومع ذلك لم تنثني عزيمة الشهيد في إعادة المحاولة لجمع الأرشيف مجددا وتكوينه من جديد . وكما سبق وأن أشرت عند تجدد ذكرى استشهاد الزعيم سبي مايحزنني حقا هو عدم الالتفات والاهتمام للتاريخ الثر الذي خلفه الشهيد من أوراق ويوميات دون أن ترى النور وتبني أي جهة ارترية تنظيمها وترتيبها تمهيدا لنشرها ، لأن الواجب يقتضي أن نسكب هذا التاريخ الحي في وجدان شبابنا الصاعد الذي يجهل ماضي ونضالات الآباء والأجداد ماقبل الاستقلال ، وتعريفهم بيوميات الكفاح الذي سطره أسلافهم حتى ينعموا هم بوطن ترفرف فوقه رايات الحرية والاستقلال . وهنا يجب أن تتضافر الجهود الخاصة لرفاقه وأبناؤه وتلامذته مع الجهود الحكومية وخاصة في الشئون الثقافية للجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة باعتبارها الجهة المنوط بها البحث والحفظ والتدوين لأي تراث للثورة الأرترية ، بل واي جهة ارترية ترى في نفسها الكفاءة عليها بالاتصال بذوي الشهيد من اجل الحصول على هذا الأرشيف ، وسوف نظل ننادي ونعمل من أجل أن يتم حفظ ونشر تراث شهيدنا الغالي .