الكتاب : وثائق الخارجية الإيطالية حول أحتلال ارتريا
إعداد : لجنة تنظيم وثائق العمل الإيطالي في إفريقيا ترجمة ونشر : البعثة الخارجية لقوات التحرير الشعبية تقديم : عثمان صالح سبي 1/12/1977م
هذه الوثائق التي أصدرتها ( لجنة تنظيم الوثائق الخاصة بالعمل الإيطالي في وزارة الخارجية ) تتناول أحداث بداية الاحتلال الإيطالي لإرتريا في الفترة مابين أعوام 1883ـ 1885م . وهي عبارة عن المراسلات التي جرت بين كبار موظفي الدولة في مختلف المناطق والمواقع ، وتلك التي جرت أيضا بين الأطراف التي شاركت في صنع أحداث تلك الفترة ، وهي حكومات إيطاليا ومصر وإنكلترا وتركيا وفرنسا والحبشة . وكانت رغبتنا أن نشرع في نشر الوثائق الإيطالية بترتيبها التسلسلي بدءاً من تلك التي تحتوي على أحداث الفترة الواقعة بين عامي 1859 ـ 1883م . ثم أحداث الفترة الواقعة مابين عامي 1885ـ 1903م . والتي انتهى فيها تشكيل " مستعمرة ارتريا الإيطالية " بالمعاهدة الإنكليزية ـ الايطالية ـ الإثيوبية التي رسمت حدودها الغربية بنهر سيتيت . إلا أنه لم يتوفر لدينا حتى الآن إلا قسمين من المجلد الأول ـ ننشرهما في جزأين هذا هو الثاني منهما ـ آملين أن نحصل على بقية المجلدات حتى نقوم بترجمتها إلى العربية ونشرها للقارئ العربي الذي لايعلم إلا القليل عن تاريخ هذه المنطقة المهمة لأمنه وسلامة بلاده . وأهمية هذه الوثائق تكمن في كونها تفضح بأقلام المستعمرين أنفسهم ، الأساليب الكلاسيكية للاستعمار ، من خديعة ودس وأغراء وعنف وراء الإدعاء بنشر المدنية والعمران والأمن والتجارة . لنأخذ مثلا هذه الفقرة من برقية وزير الخارجية الإيطالي ، مانتشي إلى وزير الحربية ريكوني : " بإمكان القائد الأعلى لقواتنا العسكرية في مصوع الاستفادة من خدمات السيد تشير مسايد الحاكم المصري في مصوع وهو ضابط برتبة مقدم في الجيش الإنجليزي ، سيحتج الضابط المذكور في البداية على احتلالنا مصوع ، إلا أن لديه التعليمات من حكومته باستقبالنا هناك وتقديم المعونة التي تلزمنا . " هذه الفقرة وغيرها من الفقرات التي يتضمنها هذا الكتاب تعبر عن مدى السقوط الأخلاقي الذي تنحدر إليه الأساليب الاستعمارية . ولاعجب في ذلك فالاستعمار شر كلهُّ . ففي وقت يرد فيه وزير الخارجية البريطاني اللورد غرانفيل على السفير الإيطالي في لندن نيغرا ، بأن " مجلس الوزراء البريطاني لايستطيع أن يهب ما لايملك " نجده يعطي التعليمات للموظفين الإنجليز في خدمة الحكومة الخديوية المصرية الصورية بتسليم الأقاليم الخاضعة لمصر للحكومة الإيطالية ، فيتصرف الموظفون الإنكليز بالشكل الأزدواجي الذي تبينه هذه الفقرة . يصح القول أحيانا " التاريخ يعيد نفسه " ، فقبل ثلاثة قرون ونصف ( 1513) تقدم البرتغاليون بنفس الأسلوب إلى السلطان أحمد بن إسماعيل ، سلطان دهلك ومصوع وملحقاتها بطلي أقامة علاقات تجارية مع إمارته التي عرفت بثروتها من اللآليء وتروس السلاحف وقرون الخرتيت والعاج وريش النعام . ومالبث هذا الطلب السلمي أن تحول إلى غزو مسلح واحتلال دان نحو أربعين عاماً حتى هزم الأتراك الأسطول البرتغالي واحتلوا مصوع في عام 1557م . وتظهر مصر في هذه الوثائق طرفاً أساسياً في النزاع ، فقد حلت في ارتريا محل الحكم العثماني في عام 1866م بموجب الاتفاقية التي وقعها الخديوي مع السلطان العثماني في 3/5/1865م . ولم يكن السكان المسلمون يشعرون بأنهم تحت حكم أجنبي ، سواء أثناء الحكم التركي أو الخديوي المصري . لأن شؤونهم الداخلية كانت تدار بواسطة حكامهم الوطنيين . كما أن وجود دولة كبيرة كان يشكل عنصراً في مواجهة الغزوات الإثيوبية المتكررة وغزوات الدول الأوربية من جهة البحر . هذا علاوة على أن مفهوم الانتماء إلى الدولة الإسلامية العالمية كان يطغى على ماعداه من مفاهيم القوميات التي نشأت في القرن التاسع عشر . ويلاحظ في هذه الوثائق الصراع الفرنسي الإيطالي لكسب هؤلاء السلاطين والمشايخ وملوك الحبشة ورؤوسها وأستباحة جميع الأساليب في هذا السبيل كالأغراء بالأموال والخداع وأخذ تواقيعهم مستندين على جهلهم . ولنأخذ مثالاً على ذلك رسالة السلطان برهان ، سلطان رحيتا ، إلى وزير الخارجية الإيطالي مانتشيني حول بيع قطعة أرض في جنوب إرتريا ، يقول : " إنني عندما اتفقت مع الدكتور سابيتو لم أكن أعني القرية المذكورة ـ مارغابلة ـ ضمن اتفاق الألفي ريال ، ويمكن أن أقسم على أنني لم أكن أعلم ماذا يساوي . والآن أرجو أنصافي وإعادة مارغابلة لي ، حفاظا على الصداقة بيننا ، وإني على ثقة من أن الحكومة الإيطالية لا ترمي إلى إلحاق الضرر بي " . وما أكثر ما تبرز النزعة الطبيعية للحرية ومعارضة الاستعمار ، لدى الجماهير ففي التقرير رقم /434/ من الحاكم الإيطالي في عصب " بيستو لاتسا " إلى وزير الخارجية يشير إلى صعوبة احتلال الساحل الإرتري لشراسة أهله فيقول : " إلى الشمال من بيلول وحتى مصوع تنتشر قبائل الدناكل ، وهناك حوالي عشر قرى رئيسية على امتداد الساحل يحكمها شيوخ هذه القبائل دون أي تدخل مصري . وذلك بعد فشل الحكومة المصرية في احتلال تلك المنطقة التي يتصف سكانها بالشراسة ، إذ من الصعب جداً أن يقبلوا أن تفرض أية حكومة حمايتها عليهم . لذا فتوسع الهيمنة الإيطالية على هذه المنطقة لايفيدنا كثيراً بسبب طبيعة سكانها " . والحقيقة أن مقاومة الشعب الإرتري قد قضت على الرواد الأوائل للاستعمار الإيطالي الذين تمثلوا في بعثتي ّ غوستافو بيانكي وجوفاني بيانكي ، وحيث تحججت إيطاليا بمقتل أفراد البعثتين لاحتلال المنطقة " لانعدام الأمن أمام التجارة والتنقل " . ولما كانت بعثة بيانكي قد أبيدت بالقرب من بيلول فقد لجأ الطليان إلى القوة ، وفي هذا يقول دي مارتينو ، قنصل ايطاليا في مصر ، في برقية إلى وزير الخارجية الإيطالي بتاريخ 17/11/1884م : " إن سعادتكم يجب أن يعترف أن احتلال بيلول لايمكن أن يتحقق بوجود قطعة بحرية فقط ، بل يجب إنزال حامية فيها . وإني أثابر على الاحتفاظ بالشيخ سعد كأداة جيدة قادرة على تهيئة المناخ المناسب لنا " . وتأكدت سياسة العنف الاستعماري حيال الشعب الإرتري من خلال برقية وزير الخارجية المؤرخة في 12/3/1885م إلى وزير الحربية ريكوتي ، حيث يقول : " في حال قيام بعض زعماء القبائل المجاورة بأعمال عنف ضدنا ، فعلى قيادتنا قمعها بالقوة". وسرعان ما بدأت إجراءات القمع عندما بدأت تمردات شعبية ضد الاحتلال الإيطالي ، وكانت النتيجة أن نصبت المشانق وارتكبت المجازر وأعد سجن نخرة في جزيرة دهلك ليستقبل مئات المواطنين من رواد الحرية والاستقلال . وقد جرت الأحتاجات من قبل تركيا ومصر وفرنسا ضد الاحتلال الإيطالي لبيلول دون أي رد فعل عسكري . فمضى الطليان في زحفهم الحذر مع الاستمرار في التشاور مع بريطانيا . وفي مكان آخر يؤكد وزير الخارجية الإيطالية بصفاقة أن عملهم هذا لايشكل احتلالا بل " يستهدف حماية النظام والأمن " . فيقول في برقية للسفير الإيطالي في استانبول بتاريخ 13/2/1885م : " تصريحاتنا وتأكيداتنا بصدد الطابع الوقتي لاحتلالنا وكذلك احترام العلم وسيادة السلطان قد كانت كلها واضحة . إن هدفنا ليس سوى الإسهام في الحفاظ على الأمن في هذه الأماكن ، وهي مهمة أعلنت مصر نفسها أنها عاجزة عن الوفاء بها . وبعد ، إن الشعب الإرتري ، وعبر صراع البقاء مدى القرون والأجيال ، أستطاع أن يحافظ على بقائه وأن يدافع عن وجوده . وهاهم الملايين الثلاثة من أبناء ارتريا ، في رقعة أرضهم التي لاتزيد عن 120 إلف كيلو مترا مربعا ، يناضلون بالحديد والنار ، منذ عام 1961م ، تحت راية جبهة تحرير إرتريا ، من أجل حقهم في الحرية والسيادة والاستقلال الوطني . بعد أن أسلمتهم المؤامرات الدولية للاحتلال الإثيوبي تحت ستار الاتحاد الفيدرالي ، وبحجة واهية هي منح إثيوبيا منفذاً إلى البحر الأحمر عبر موانئ إرتريا . إن القصة لم تنته ... ونعني قصة الاحتلال الأجنبي لإرتريا . التي ترويها هذه الوثائق لحقبة من حقبات تاريخنا المليء بالنضال ، فلا يزال الاحتلال قائما ولايزال شعب إرتريا يقاوم ... وسيظل يقاوم حتى يجلو آخر جندي مستعمر وتشرق شمس الحرية ، والله الموفق .