تأليف : أدولفو روسي ترجمة : البعثة الخارجية لقوات التحرير الشعبية تقديم : عثمان صالح سبيي (دمشق 12/3/1976م )
بين " ارتريا اليوم " وارتريا اليوم فارق زمني مداه حوالي الثمانين عاما / فالمؤلف ـ أدولفو روسي ـ الصحفي الإيطالي ـ قد زار ارتريا في عام ( 1849) أي بعد أعلن ملك ايطاليا أسم " المستعمرة ارتريا " بأربعة أعوام ، وفي فترة كانت منطقة شمال شرقي أفريقيا تعيش في حالة أضطراب وحروب ـ حرب الطليان والأنكليز والحبشة ضد الحكومة المهدية في السودان ، وحرب المقاومة الوطنية الإرترية المتفرقة ضد الاحتلال الإيطالي ، وحرب المهديين ضد الإرتريين ، وحرب الحبشة ضد المصريين . وانعكست حالة الاضطراب هذه على أوضاع السكان الاقتصادية والحياتية بشكل عام ، فكانت المجاعات وكانت الهجرات الجماعية من منطقة إلى أخرى بحثا عن مأمن وطلبا للرزق . وكان سكان ارتريا بصفة عامة يميلون في هذه الفترة إلى مسايرة الطليان لمواجهة أعداء آخرين أكثر توحشا ، وبالأخص الاحتلال الإثيوبي الذي مثله رأس اللولا في المرتفعات الارترية وامتدت أصابع بطشه إلى مناطق السهول الغربية والشرقية غزوا ونهبا ، إلى جانب غزوات المهديين السودانيين الذين أعملوا السيف في رقاب الناس بلا شفقة ، فكانت المجازر في وادي بركة وسهول القدين . وكما قلنا ، هناك فارق زمني قدره ثمانون عاما أو يزيد بين ارتريا اليوم وارتريا عندما سجل المؤلف الايطالي ملاحظاته . فارتريا اليوم مختلفة كلية عما كانت عليه آنذاك سكانها يزيدون على ثلاثة ملايين نسمة بينما لم يتجاوز عددهم آنذاك نصف مليون نسمة ، والأرض التي يسميها المؤلف " بورا قليلة الأمطار لاتصلح إلا للرعي وللمرور " وهي المنطقة الغربية : " أراضي بركة والقاش " عامرة بزراعة الموز والقطن ومختلف أنواع الحبوب تسقيها مياه النهرين الموسميين والنهر الدائم الجريان سيتيت " عطبرة " الذي يشكل احد روافد النيل الأساسية . والطرق العصرية تربط معظم المدن والقرى الارترية ، وتحسنت الأوضاع التعليمية والصحية والاجتماعية تحسنا ملحوظا مواكبة ركب الحضارة العصرية المنتشرة في أرجاء الدنيا . والكتاب لايخلو من هفوات بعضها متعمد ، فهو أولا لايعدو كونه تحقيقا كتبه صحفي على عجل ، ولا يتوقع منه والحالة هذه أن يلم بكل أحوال الشعب الارتري في زيارة قصيرة دامت سبعة أسابيع سيرا على الأقدام في مساحة واسعة قدرها 119 ألف كيلو متر مربع . وبعض ملاحظاته عن سكان ارتريا وطباعهم وأحوالهم المعيشية يصفهم أحيانا بالكسل وأحيانا بالتعصب واللصوصية والهمجية لاتزيد عن كونها تعبيرا عن شعور مستمر أوروبي متعال ومتغطرس في وقت كان الاستعمار الغربي في عنفوانه محتقرا حضارات الشرق وقيمه . وعلاوة على ذلك فالمؤلف من المعارضة الايطالية التي كانت تطالب الحكومة الايطالية بالتخلي عن سياسة إحراز مستعمرات في إفريقيا وبخاصة " مستعمرة ارتريا " التي كانت موضع نزاع بين مختلف القوى المهدية السودانية وإثيوبيا وتركيا ممثلة بالخديوية المصرية وانجلترا وفرنسا لإحراز موطئ قدم في حوض البحر الأحمر وباب المندب بعد أن اكتسب هذا البحر أهمية دولية كممر مائي للتجارة بين الشرق والغرب اثر فتح قناة السويس في عام 1869م . وهو العام الذي بدأ فيه الاحتلال الايطالي لإرتريا بشراء قطعة صغيرة من الأرض في عصب من السلطان إبراهيم لتكون محطة تزويد وقود السفن الايطالية . هذا فضلا عن المقاومة الوطنية التي كانت تستفيد من ملاءمة الطبيعة الجغرافية لحرب العصابات . وكانت حجة المعارضة أن ايطاليا التي كانت تعاني أزمات اقتصادية متلاحقة لاتستطيع معها أن تدخل ساحة المغامرات الاستعمارية بكل ماتتطلبه من جيوش واستثمارات . ولهذا يحاول المؤلف أن يظهر ارتريا كالبلد الفقير الذي لايستحق كل هذا العناء وخاصة بالنسبة لمرامي ايطاليا الاستيطانية . بينما يناقش تقرير بعثة مجلس الشيوخ الايطالي التي ترأسها فردناند دي مارتيني هذا التصور ويعطي صورة متفائلة للإمكانيات الزراعية الارترية . ويذكر المؤلف أن الايطاليين نشروا الأمن في أرجاء البلاد وقضوا على قطاع الطرق وحكم على بعض منهم بالسجن في " نخرة " الموبوءة بأمراض الملاريا إنما أقيم ليكون معتقلا للوطنيين الأحرار الذين قاوموا الاستعمار الايطالي وقضى معظمهم نحبه هناك . ويفضح المؤلف سياسة القهر الايطالية عندما يتحدث عن أساليب الطليان في معاملة الجنود الارتريين حيث يبرر بوقاحة على لسان احد الضباط الايطاليين " بان النظام والتربية تكون ضربا من المستحيل بدون استعمال الكرباج " ويتبجح أكثر عندما يقول بان " الجندي يحي الضابط بعد العقوبة ويذهب طليقا راضيا أكثر مما سبق إلى السجن " . انه هنا يتجاهل ابسط المشاعر الإنسانية ، فرد الفعل الغريزي ، حتى لدى الحيوان فضلا عن الإنسان ، للضرب والاهانة ليس الرضى وإنما هو الغضب والاستياء ، ومع ذلك فهو يؤكد إن ايطاليا إنما جاءت هنا حاملة رسالة التمدن ومشعل الحضارة ، وما أبشع الحضارات التي تبنى قيمتها على امتهان كرامة الإنسان واستغلاله . والكتاب مع ذلك يتضمن معلومات هامة عن الصراع الذي دار بين المهدية والطليان في منطقة اغوردات ، ويتضمن سردا مفيدا للحالة التي كانت تسود ارتريا آنذاك . ومن الطبيعي أن نؤكد أن ماورد في هذا الكتاب يمثل وجهة نظر كاتبه . وقد حرصت البعثة الخارجية على ترجمته حرفيا بدون حذف أو زيادة على أمل أن يفيد قراء العربية الذين يفتقدون المعلومات الضرورية عن هذا القطر الذي يناضل أبناؤه منذ خمسة عشر عاما بالمهج والأرواح للخلاص من براثن الاحتلال الإثيوبي بعد أن عانوا من الاحتلال الأجنبي منذ أن وطأت أقدام المستعمرين البرتغاليين في عام 1520م الشواطئ الارترية مرورا بالاحتلال العثماني التركي ثم الايطالي والبريطاني .