محمد سعيد ناود
الموضوع الذي كتبه الصحفي / ابوبكر صائغ بجريدة ارتريا الحديثة الصادر بتاريخ 2010/03/09 تحت عنوان (نقفة وتجليات التسمية ) قد آثار في نفسي الكثير من الأحاسيس . وكقارئ متفاعل وجدت نفسي امسك باليراع لتسطير هذه الكلمات القليلة خاصة وإننا نعيش هذه الأيام ذكرى تحرير نقفة ، التي ظلت عصية على الأعداء في إعادة احتلالها ، مما رشحها أن تظل تلك المنارة التي تحفزنا على أن تحرير كامل الوطن لا بد منه مهما كانت التحديات ، وقد كان ، كما وأنني انتمي لإقليم الساحل والذي عاصمته نقفة رغم تجاوزي بتفكيري كل الانتماءات الضيقة
وإحساسي العميق بالانتماء لكل الوطن ولكل الشعب الإرتري ، إلا أنني مؤمن بان عشق الوطن والارتباط به يبدأ أولا بالقرية أو المدينة التي يولد بها الإنسان ويترعرع ، وبالتالي فان ذكريات الطفولة ومراتع الصبا والشباب تترك في نفسه تلك المشاعر الجياشة التي تجعله مرتبطا بها وبالتالي مرتبطا بالوطن الكبير . وفي تقديري فان هذا الشعور كان بداية ومنطق كل الإرتريين الذين حملوا راية النضال والثورة دفاعا عن الأرض وعن الشعب في مواجهة الاستعمار الأثيوبي الغازي .
وفي بحثه عن تاريخ نقفة فان ابوبكر صائغ ، وهو من أبناء نقفة ، أثار قضية هامة وهي تاريخ المدن الإرترية عامة حيث أننا والى الآن نجهل تاريخها ومن الذي أطلق عليها الأسماء التي تحملها اليوم ؟ ومناسبة هذه التسمية ؟ فحسنا فعل الأستاذ / ابوبكر صائغ الذي كشف جزءا يسيرا من تاريخ مدينة نقفة ولا يزال البحث مطلوبا لكشف المتبقي ، وأرجو أن يكون ذلك حافزا للبحث في تاريخ وأسماء المدن الإرترية الأخرى وبالذات من أبناءها الذين لديهم الاهتمام بالبحث والتاريخ ، فلعل ذاكرة ذويهم من كبار السن من سكان هذه المدن تختزن الكثير مما سمعوه من أسلافهم من تاريخ وحوارات وأسماء هذه المدن .
أما نقفة فتتميز بحب وعشق أبنائها وسكانها ، فللمدينة تاريخ عريق من بطولات ومآثر يحفظها الأبناء عن الآباء وبالتالي يشعرون بالانتماء إليها ويفاخرون به . وكمثال لذلك ما أورده ابوبكر عن الأسر التي حكمتها عبر قرون طويلة ، وكذلك الأوصاف الجميلة التي كان ولا يزال يطلقها عليها المحبون شعرا أو نعوتا أما عن الطبيعة الساحرة الخلابة فهذه المدينة ، فهناك الطقس الجميل المعتدل صيفا والبارد شتاءا والارتفاع الشاهق لهذه المدينة الذي يوازي ارتفاع العاصمة اسمرا كما يقولون أما عن تضاريس الأرض فهناك الجبال الشاهقة التي تحيط بها من كل الاتجاهات والأودية . كما أن سكانها يعرفون بعضهم البعض ليس لقلتهم العددية ولكن لعراقتهم الجميع وانتماءاتهم التي يعرفها الجميع ويتعايشون فيما بينهم بكل احترام وتقدير .
مجمل هذه العوامل جعلت كل من ينتمي لهذه المدينة يرتبط بها لدرجة الهيام ، كمثال لذلك اذكر عندما كنا صغارا بمدينة بور تسودان فان الأعمام والأقارب من أبناء هذه المدينة الذين كانوا يعملون في السودان في العهد البريطاني وبالذات أولئك العاملون بالبحرية بميناء بور تسودان فإنهم كانوا ينتظرون عطلتهم السنوية بتلهف ثم يشدون الرحال إلى نقفة لقضاء العطلة بين الأهل والأحباب . ويعودون لبور تسودان ، يحكون الكثير عن مشاهداتهم . وفي إطار أسرتنا فهناك حادثة فريدة من نوعها ولم تتكرر في الإقليم بكامله وكان بطلها المرحوم جدي /ناود ويعرفها كثيرون من كبار السن . وملخصها فقد كان ناود غائبا ، وأثناء غيابه توفي والده الذي تم دفنه في قريتنا (ماريت) وعند عودته بعد أسبوع من الوفاة وجد المأتم وعلم بما جرى . فما كان منه إلا أن نبش قبر والده واخرج جثمانه وحمله فوق جمله واتجه صوب نقفة حيث توجد مقابر أجداده هناك ، ومع من رافقه من سكان ماريت أو من سمع من أقاربه من سكان نقفة الذين توجهوا للمقابر فقد حفر قبرا جديدا دفن فيه والده وذبح الأبقار هناك ، ومنذ ذلك الحين أطلقوا عليه تسمية (ناود حفار جنايز) .
وإذا كان ذلك في الماضي البعيد فان من مآثر نقفة وسكانها في العصور الحديثة فإنهم ظلوا متفاعلين مع شعبهم في كل الأحداث إن لم يكونوا في مقدمته ، فعندما تناولت في مقالاتي البحثية عن الحقيقة الاستعمارية الإيطالية التي نشرتها بجريدة ارتريا الحديثة في حلقات وأوردت أسماء أبطال المقاومة الإرترية في كل المدن والأقاليم الإرترية . والتي شملت المئات من أسماء وأبطال . فقد تطرقت لأبطال في مدينة نقفة من المقاومين للطليان حيث سجن منهم من سجن في عصب . ومن مات هناك من رموز واعيان نقفة المعروفين وفي مرحلة الثورة الإرترية التي ساهمت فيها كل الأقاليم والمدن الإرترية فكان لنقفة دورها المشهور الذي يعرفه الجميع إلا أن دورها الأبرز تمثل في أنها وبعد تحريرها فقد حاولت جحافل الجيوش الأثيوبية أرضا وجوا إعادة احتلالها إلا أنها فشلت فشلا ذريعا ، واستمرت المقاومة فيها حتى تم تحرير كل المدن ومن ضمنها العاصمة اسمرا ، ونتيجة لذلك فان الطيران الأثيوبي ظل يقصف المدينة – حقدا عليها – ودمر كل مبنى قائم بها ولم تنج من ذلك دور العبادة حتى أن مسجد نقفة أصابته تلك الغارات الجوية من كل جوانبه ، وتمت عملية ترميم المسجد بعد التحرير وليتهم لم يقوموا بالترميم وتركوه ليقف شاهدا على جرائم المحتلين الأثيوبيين .
أيضا تميزت نقفة على باقي المدن الإرترية بدفاعات دندن التي شيدها وخلدها أبطال الجيش الشعبي لتحرير ارتريا والتي تكسرت فيها كل المحاولات البائسة للمحتلين الأثيوبيين لإعادة احتلال نقفة . دفاعات دندن ستبقى ابد الدهر رمزا لبطولة الشعب الإرتري وإرادته الفولاذية . أما الآن فان هذه الدفاعات تعتبر جاذبة للسياحة من داخل ارترية ومن خارجها . وكذلك من يأتون إليها من غير الإرتريين لدراسة ومشاهدة تاريخ وآثار الثورة الإرترية وبالتالي سيكون لها مردودها الاقتصادي المستمر على المدينة وبهذا تميزت نقفة كما قلت على غيرها من المدن الإرترية ، ولهذا قلت فيها عنوان (نقفة الخلود وأرض الصمود) .