كيف ترى هذه التجربة في تلك الفترة، وكيف كان صداها؟
طبعا شعبنا كما قلنا ينجب، قد أكون أنا بدأت أكتب في هذا الجانب قبل غيري لكن هذا موضوع آخر قد نتكلم عنه، لكن الشعب الإرتري أيضا ينجب، فبدأ يظهر أناس يكتبون مثل الشاعر الراحل أحمد سعد, والآن في الرواية والشعر وفي غيره مثلك (الأستاذ أحمد) وفي فترة زمنية وجيزة. هكذا يتم تعويض فترة الانقطاع التي حصلت من الأربعينات والخمسينات، فالآن بدأت أقلام كثيرة تبرز، هذه الأقلام بالتأكيد ستعمل وتعوض وستنتج، والشعب الإرتري شعب يبدع كما ذكرنا في كل المناطق هناك فنانين مثل الفنان آتو ابرهام سقيد وأغنيته (عدي جيقانوا) وهي أغنية ملحمية فيها وصف إرتريا وهناك مبدعين غيره
لو حدثتنا عن الهجرات القديمة إلى هذه المنطقة وبالتحديد إرتريا
الهجرات العربية القديمة إلى منطقتنا هي مسألة ذات أهمية ولها علاقة بالكثير من اهتماماتي باعتبارها جزءا من التاريخ الإرتري. وهذه الهجرات ومن شتى جوانبها تناولتها في بحث منفصل يجد طريقه إلى الطبع قريبا، وبالتالي يكون في متناول أي قارئ إرتري، وهذه الهجرات الحديث عنها حديث طويل قد يكون أطول من مثل هذه المقابلة ولذلك البحث موجود في كتاب، لكن باختصار شديد نقول أن هذه الهجرات وحسب ما قال الكثير من المؤرخين تعود إلى عشرة آلاف سنة وهذا يؤكد أنها قديمة والآثار موجودة حاليا، مثلا نجد المفردات العربية الموجودة في اللغتين (التجري) و(التجرينية)، لغة (التجري) لغة غنية ومليئة بالمفردات العربية ونفس الشيء هذه المفردات العربية وبكثرة موجودة في لغة (التجرينية)، بالتأكيد مثل هذا التأثير لم يكن بين يوم وليلة، ويكون أخذ الكثير والكثير من الوقت. مضافاً إلى ذلك حرف (الجئز) الموجود عندنا في إرتريا هو نفس الحرف الذي كان في جنوب الجزيرة العربية أثناء عهد مملكتي (حمير) و(سبأ)، واندثر في موطنه هناك ولكنه ظل باق عندنا في إرتريا ولازال موجودا هنا، وهذا من علامات العلاقة والهجرات القديمة، أيضا هناك الكثير من العادات والتقاليد المتشابهة بين إرتريا وبين الجزيرة العربية وكذلك أسماء المناطق والبلدات.
هل يمكن ذكر أمثلة؟
الكثير والكثير.. وقد تناولتها في البحث، لكن كدليل، مثلا: (عنسبا) هي عين سبأ، و (قدقد) في الساحل موجودة في الجزيرة العربية، ونهر (مرب) تعني مأرب.. والكثير مثل (حلحل) موجودة في الجزيرة العربية أيضا، و(ساوا) منطقة إرترية معروفة ويتم فيها الآن أداء الخدمة الوطنية، موجودة كذلك في الجزيرة العربية بنفس الاسم، بل ونفس الطبيعة، وهناك أبيات شعر موجودة في البحث تتحدث عن هذه المناطق بأسمائها في الجزيرة العربية وأسمائها في إرتريا، وأضيف لك اسماً آخر نعرفه كلنا (حطاط) وهي المنطقة التي كانت مقر للجبهة الشعبية قبل التحرير، في الساحل، وحطاط في الساحل معروفة جدا، أي إنسان من الساحل يعرفها وهي المنطقة التي كانت فيها منطقة (بليغات)، حطاط هذه بنفس الاسم موجودة في جنوب الجزيرة العربية إلى جوار عدن الآن، وهكذا الكثير من الأسماء التي سترد إن شاء الله ضمن البحث. أضف إلى ذلك الديانات الوثنية القديمة التي كانت موجودة جنوب الجزيرة العربية وكانت موجودة هنا في نفس الوقت، والديانتان السماويتان اللتان دخلتا في وقت مبكر ومباشرة من الجزيرة العربية إلى إرتريا، المسيحية أولا ثم الإسلام الذي سنتحدث عنه في هجرة أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام.
لو أخذنا أن دخول المسيحية كان قبل وقت طويل من قبل قس سوري جاء إلى الهضبة.. حول هذه المسألة ماذا توضح؟
بالضبط، القس السوري (فرمنتيوس) معروف أنه من فعل ذلك، وهذا ثابت في التاريخ فهو الذي أدخل الديانة المسيحية في إرتريا ثم انتقلت إلى (إثيوبيا)، وأول ملك اعتنق الديانة المسيحية في هذه المنطقة كان (عيزانا) حاكم مملكة (أكسوم) آنذاك فهو الذي أعتنق الديانة المسيحية على يد هذا القس السوري، ثم أن هذا القس مشى إلى الإسكندرية ومن هناك تم تعميده، ومنذ ذلك الحين بدأت الكنيسة في هذه المنطقة تبعيتها للكنيسة القبطية (مصر).. وبالتالي كانت العلاقة الدينية مباشرة، هذا عن دخول الديانة المسيحية إلى إرتريا.
أيضا لو انتقلنا إلى بعد آخر يمكن القول أن انهيار سد مأرب جنوب الجزيرة العربية استتبع نزوح بعض الأقوام إلى إرتريا وكونوا تشكيلا جديدا، ونقلوا معهم الكثير من نظم الحياة، حتى نظام المدرجات الزراعية وكثير من الأشياء، فنتج هذا الخليط الموجود اليوم.
هلا قدمت أستاذ ناود إضاءة عن أثر هذا النزوح؟
صحيح.. تم الانتقال من (مأرب) جنوب الجزيرة العربية إلى هذه المنطقة ونقلوا معهم الكثير من أنماط الحياة حينذاك، مثل الفنون المعمارية ونظام المدرجات على الجبال، مدرجات ومسطحات لاستثمار الجبال وحفظ المياه، هذا كله انتقل في نفس الوقت، وكذلك اللغة والعادات، وكان هناك تشابه في الطبيعة والأرض، وهذا الانتقال لم يتم في وقت واحد ولكنه كان عبر مراحل زمنية متواصلة، وكان هذا الانتقال يتم لأسباب اقتصادية وأسباب الحروب التي كانت تتم والهروب منها، إضافة إلى أسباب القحط.. كل هذه الأسباب والعوامل أدت إلى هذا الانتقال وفي مراحل تاريخية مختلفة وليس في وقت واحد.
متى كانت الفترة الزمنية بالتقريب؟
بالتقريب عشرة آلاف سنة. وهذه فرضيات، حتى المؤرخين لم يستطيعوا تحديد متى بدأت هذه الهجرة! وهناك من يقول أن الشاطئين كانا متواصلين، وهذا الأخدود الذي فصل وأصبح هناك البحر الأحمر في المنتصف وهي ظاهرة جغرافية حصلت في مراحل زمنية غير مجددة وأيضا من يقول أن الزحف الصحراوي جاء إلى الجزيرة العربية وهي لم تكن صحراء، يقال أنها كانت غابات، ولكن بدأ الزحف الصحراوي من الشمال إلى الجنوب والناس زحفت معه وبالتالي بدأت تنتقل إلى الشاطئ.
كانت هجرات أكثر حدة من هذه الهجرات القديمة، مثلا في عهد الدولة العباسية وأيضا كان هناك (البطالمة ـ الإغريق) فرضوا نفوذهم في المنطقة، وشيدوا ميناء (عدوليس) وأيضا تعاقب على الميناء العباسيون وآخرون بعد ذلك.
ماذا يمكن القول حول هذا البعد التاريخي؟
نعم هذا حصل، طبعا في ذلك الحين الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية القوتين العظميين بمعيار اليوم، وفي ذلك الحين كانت موجودة، وحصل تعاقب مثل (الفراعنة إلى ارض البنط) ويتم الاعتقاد أنها الصومال، ولكن قد لا تكون الصومال نفس الشيء الشاطئ كله.
وإرتريا الأقرب جغرافيا، أليس كذلك؟
بحكم أن عدوليس مدينة تاريخية وفيها آثار مطمورة إلى الآن، فالباحثون لم يكملوا البحث في تاريخ عدوليس، وعدوليس كانت ميناءا مزدهرا وكانت فيها حضارة، والفراعنة كانوا يجولون عبر هذه الشواطئ، وقد أصبح الميناء ممرا للمصالح الاقتصادية هذه المصالح من سوريا إلى مكة ومن ثم إلى شواطئنا، وكذلك في فترة الدولة الأموية، لأنه بعد أن فقدت عدوليس أهميتها، أصبح وجود القراصنة في البحر الأحمر مزعجا، وهؤلاء القراصنة هددوا الملاحة في البحر الأحمر، وبدءوا بقطع الطريق على الحجاج، بل هددوا مدينة جدة وفي مرحلة لاحقة في عام 702 ميلادية هددوا بتدمير الكعبة ذاتها، والدولة الأموية قامت ببسط نفوذها في دهلك وأقامت فيها قاعدة عسكرية لازالت آثارها موجودة، مثل الآبار المحفورة في الصخور، وهذه هجرة. أيضا عندما انتصر العلويون والعباسيون على الأمويين ومع مطاردة فلولهم بدأت تزحف باتجاه الشاطئ الغربي للبحر الأحمر، ومع وجود القاعدة في دهلك استبدلت بالعباسيين لمراقبة هؤلاء النازحين والهاربين، وظلت الهجرات متواصلة، ومن قبلها أيضا عندما بدأت الحملات الأكسومية إلى جنوب الجزيرة العربية حمل(ابرها) ومن سبقه، وهي قضايا ثبتت تاريخيا وحتى موجودة في القرآن، فهذه الهجرات والحملات والهجرات المعاكسة لم تكن شيئا غريبا، فهي كانت امتدادا لهجرات قديمة تاريخها غير محدد.
ربما هذه شكلت ملامح الإنسان الإرتري في فترات تاريخية بعيدة.. قبل أن ننتقل إلى موضوع بذور تكون الهوية الإرترية والثورة.
نعود للحديث حول مفصل هام وهو هجرة الصحابة إلى إرتريا،هناك قول تدعمه الجغرافيا أكثر، وهو أن الهجرة تمت ابتداء من الجزيرة العربية إلى إرتريا. حدثنا حول هذه المسألة
حقيقة أنا مهتم بهذا الجانب بصفة خاصة، واهتمامي ينبع من منطلقين، الأول أن الإثيوبيين يحاولون نسبة هذه الهجرة إلى أنفسهم مستغلين أن هجرة أصحاب الرسول(ص) كانت إلى نجاشي الحبشة، وهم يعتبرون أن اسم الحبشة يعني إثيوبيا الحالية.. وهي محاولة لمصادرة التاريخ وهذا أيضا حصل بالنسبة للإدعاء بأن الشاعر الروسي العظيم (بوشكين) هو إثيوبي بينما هو من أصول إرترية، وهذا ما جعلنا نحن كإرتريين نكتب عن هذه القضية.
بوشكين مفصل أيضا سنتناوله في الحوار.. نبدأ بمسالة الهجرة الأولى
أنا مهتم بهذه الهجرة، أولاً باعتبار هذه الهجرة هامة في التاريخ، العامل الثاني هو أني أعتبر هذا جزءاً من التاريخ الإرتري الأصيل هجرة أصحاب الرسول إلى إرتريا يعتبر جزءاً هاماً جداً من التاريخ الإرتري، ونحن كإرتريين من المفروض أن نلم ونهتم به. أولاً: هذه الهجرة ميزتها أن الإسلام دخل إلى إرتريا قبل أن ينتصر في مكة، وقبل هجرة الرسول إلى المدينة، تمت هجرة أصحاب الرسول إلى إرتريا، فالإسلام دخل إرتريا قبل أن يدخل العراق وسوريا ومصر من (18الى 24) سنة. في العراق معروف أن الإسلام دخل عام 623 ميلادية وفي دمشق دخل عام 635 وفي مصر عام 639 ميلادية ، أما في إرتريا فقد دخل الإسلام سنة615 ميلادية. هذا بالنسبة لنا مهم جداً، لأنه حدث كبير على مستوى العالم، أول بلد دخل إليه الإسلام كان إرتريا، فمثل هذا التاريخ يجب الاهتمام به من هذه الأجيال والأجيال القادمة باعتباره جزءاً من تاريخنا. الشيء الثاني وهذا أيضاً مهم: أول مسجد للإسلام أقيم في إرتريا في (رأس مدر) في مدينة مصوع، ورأس مدر الآن توجد داخل حظيرة الجمارك، وقد اعتاد المسلمون في تلك المنطقة أداء صلاة العيدين في هذا المسجد، لأن هذا المسجد بني في أول الهجرة التي كان على رأسها سيدنا عثمان بن عفان، حيث أدوا صلاتهم في هذا الموقع. وسيدنا عثمان بن عفان معروف في تاريخ الإسلام. أولاً هو الخليفة الثالث بعد سيدنا أبوبكر وسيدنا عمر، وكان من أثرياء مكة، وبأمواله نصر المسلمين. وفي هجرته جاءت معه زوجته رقية بنت الرسول(ص)، وبعد وفاة رقية زوّجه الرسول بنته الثانية أم كلثوم، وبعد وفاتها قال له الرسول: " لو كانت لي بنت ثالثة لكنت أعطيتك إياها"، فقد كان ذا مكانة رفيعة.
لو رجعنا إلى المعابر التي انتقل منها الصحابة إلى ارض الحبشة إرتريا حاليا.. هل من الممكن ذكرها؟
هم ركبوا البحر في منطقة اسمها (شعيبة)، وجههم الرسول قائلا: "اذهبوا إلى أرض الحبشة، فإن بها ملك عادل لا يظلم عنده أحد". فتحركوا من مكة إلى السواحل في منطقة اسمها (شعيبة) لا تزال موجودة حتى الآن في جنوب ميناء جده وهي الآن مرفأ صغير للأسماك وغيره. من هناك عبروا البحر، ومباشرة وصلوا إلى هذا الموقع ونزلوا فيه، هذا لا يعني أنه الموقع الوحيد، فالشاطئ الإرتري طويل، وكانت فيه مرافئ عديدة، وهذه المرافئ تعرضت لها في كتاب لي.
يقال أن هناك معبرين محتملين هما (معدر) وأيضا (زولا)؟
نعم في خليج زولا وحرقيقو وغيره ولم تكن المرة الأولى التي يعبر فيها العرب هذا البحر، فالمصالح كانت موجودة وظلت موجودة.