ان من تغنوا بالحب والهيام في التاريخ العربي الطويل لا حصر لهم . ولا يمكن حصرهم أو الكتابة عنهم في هذا العمود ولكن ولأن الحب بين الجنسين ظل هاجسا للأنسان منذ عهد ابينا آدم وأمنا حواء وابنيهما هابيل وقابيل ، ولأن قصص الحب والهيام تتناقلها الأجيال كمورثات وخاصة بين فئات الشباب من الجنسين ، فانني اكتب هذه السطور القلائل عنها ، فهناك مجنون ليلي واسمه كاملا قيس بن الملوح بن فراحم بن عدس بن ربيعة بن صعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صحصحة
، اما ليلى التي افنى عمره في التغني بحبها فاسمها بالكامل ليلى بنت مهدي بن سعد بن مهدي بن الحريش ، وكنيتها ام مالك واجيال طويلة عبر القرون ظلت تردد وتتناقل ماقاله قيس عن ليلى شعرا وهو كثير بحيث يملأ مجلدا او اكثر وكنموذج لذلك ارود الأبيات القليلة التالية :- يقول اناس علي مجنون عامر يروم سلوا قلت اني لمابيا وقد لامني في حب ليلى قرابتي اخي وابن عمي وابن خالي وخاليا يقولون ليلى اهل بيت عداوة بنفس ليلى من عدو وماليا ولو كان في ليلى شذا من خصومه للويت اعناق الخصوم الملاويا كما قال عنها : أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدار وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديار واذا كان الحديث عن الحب والهيام فلا يمكن تجاوز عمر بن ابي ربيعة الذي قال شعرا لا حصر له في هذا الحقل والذي وصل به لدرجة المجون وهو الذي عقر للغواني مطيته "ناقتة" ليتلذذ بأكل لحمها ثم حمل كورها "سرجها" فوق ظهره وانصرف ماشيا على الأقدام ، وخلد ذلك بقصيدة غزلية طويلة وكنموذج لشعره الغزلي نورد الأبيات القليلة التالية من قصيدة يعرفها اي قارئ في الأدب العربي وهي :- ليت هذا انجزتنا ما تعد وشفت انفسنا مما تجد واستبدت مرة واحدة انما العاجز من لا يستبد ولقد قالت لجارات لها ذات يوم وتعرت تبترد أكما ينعتني تبصرنني عمر كن الله ام لم يقتصد فتضاحكن وقلن لها حسن في كل عين من تود حسدا حملنه من اجلها وقديما كان في الناس الحسد واذا كان ذلك في الماضي البعيد جدا ، ففي القريب هنالك ايليا ابو ماضي ودواوينه الشعرية في الخمائل والحمائم والطلاسم والذي قال الشعر في الفلسفة والحكمة والتأمل وحب الوطن ، وفي رائعته " وطني النجوم انا هنا حدق اتذكر من انا ؟ التي تغنى بها فنان السودان الأشهر الأستاذ احمد المصطفى وابو ماضي ادلى بدلوه في مجال الحب والهيام عندما قال قصيدة انقل منها الأبيات التالية :- اي شيئ في البعيد اهدى اليك ياملاكي وكل شيئ لديك اسوارا ؟ أم دملجا من نضار لا احب القيود في معصميك ام خمورا؟ وليس في الأرض خمرا كالذي تسكبين من لحظيك أم ورودا ؟ والورد أجمل عندي الذي نشقت من خديك أم عقيقا كمهجتي يتلظى والعقيق الثمين في شفتيك ليس عندي شيئ اعز من الروح وروحي مرهونة في يديك وهناك الدكتور ابراهيم ناجي ، فلولا شعره لما عرفنا عنه شيئا لأن بمصر عشرات بل مئات الآلاف من الأطباء من امثاله ، ونورد ابيات قليلة من شعره التي صدحت بها مطربة العرب من المحيط الى الخليج دون منازع الفنانة الخالدة ام كلثوم سيدة وملكة الغناء والطرب والأبيات تقول :- بافؤادي رحم الله الهوى كان صرحا من خيال فهوى اسقني واشرب على اطلاله واروى عني طالما الدمع روى كيف ذاك الحب امسى خبرا وحديثا من احاديث الجوى وبساطا من ندامي حلمه هم تواروا ابدا وهو انطوى ولا بد من الأشارة بان قصص الحب والهيام موجودة في كل انحاء ارتريا وبكل لغاتها والأمر شبيه تماما بالجزيرة العربية فبالمقابل فان الشاعر الأرتري ادريس ود أمير شبيه تماما بمجنون ليلى ، مع انه لم يفصح لنا عن اسم ليلاه رغم روائعه الغنائية التي ظل يقولها عنها حتى وفاته ، ويعلن فيها استعداده لقبول اقصى واقسى العقاب – دنيا واخرى – مقابل الوصل من محبوبته ، وكان كل شعر ود أمير بلغة التجري . وهناك شاعر غنائي ارتري اخر بلغة التجري وهو عمر ودباشقير من قبيلة "حرابسو" احدى قبائل الحباب بالساحل الشمالي ، وهو معروف كشاعر غنائي وعاشق للجمال ، ولا يزال هناك بعض الأحياء يحفظون شعره ، وعمر ودباشقير الذي بدأ منذ باكورة شبابه والى ان بلغ ارذل العمر وهو يغني لحواء ويصف كل تفاصيل مفاتنها حسب مقاييس الجمال في عصره وفي المجتمع الذي عاش فيه ، وود باشقير شبيه تماما بعمر بن ابي ربيعة في شعره المباشر والمكشوف الذي يصل احيانا لدرجة المجون . واخيرا فالملاحظة الهامة ان هؤلاء العشاق والمحبون سواء كانوا في ارتريا او بالجزيرة العربية او غيرها خلدوا انفسهم ومن احبوا عبر ما قالوه شعراء ، ولولا ذلك لأندثروا وطواهم النسيان مثل غيرهم من باقي البشر دون ان يتركوا أثرا او يتذكرهم احد .