الكلمة الخالدة سواء صدرت من اللسان أو القلم ، وسواء كانت في الأدب أو في السياسة هي الكلمة الصادقة والتي تعبر عن قضية حقيقية ولذا تظل باقية وخالدة والعكس منها الكلمة المبتذلة مدفوعة الأجر بواسطة الحكام لمدحهم وتضخيمهم فأن عمرها قصير ويطويها النسيان سريعا .
وكمثل لما قلته عن الكلمة الخالدة سوف أتطرق لثلاث نماذج وهي : النموذج الأول : أبو الطيب المتنبئ وأسمه : أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الكندي الكوفي عاش قبل أكثر من ألف عام كما أن الأبيات القليلة من قصيدته التي سأتطرق لها ، وقالها قبل أكثر من ألف عام وكانت للمتنبئ قضية وهي الافتخار بانتمائه العربي ومحاربته للحكام العجم من غير العرب أي الأجانب ومن يواليهم من العرب كما كان يفاخر بقدراته الشخصية وبأصوله . وكلماته عن عزة النفس والفخر لاتزال حتى اليوم باقية وتتذوقها الأجيال المتعاقبة ويرددها المعجبون وكنموذج لذلك نورد الأبيات القليلة التالية : سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا بأنني خير من تسعى به قدم أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم النموذج الثاني : هو رائعة توفيق الحكيم " عودة الروح " والذي تنبأ في كتابه هذا بثورة الضباط الأحرار المصرية التي جرت في 23/ يوليو / 1952م رغم أن كتابه المشار إليه صدر في ثلاثينيات القرن العشرين أي قبل تلك الثورة بحوالي عشرين عاما وقد كانت ثورة الضباط الأحرار بمثابة ثأر تاريخي أو هكذا نظر إليها كثيرون وأنا أحدهم لأنني قرأت ذلك الكتاب قبل ثورة الضباط الأحرار وقد نظرنا إليها كثأر تاريخي لما جرى لثورة أحمد عرابي باشا التي قمعها الأسطول البريطاني في الإسكندرية ثم تمت مطاردة رجالاتها في عمق الأراضي المصرية بالتواطؤ مع القصر الملكي ، وجرى ذلك في نهاية القرن التاسع عشر ، وتم القبض على الضابط الكبير بالجيش المصري وقائد الثورة أحمد عرابي باشا وقام البريطانيون بنفيه خارج مصر في " جزيرة سيلان " ولم يسمح له بالعودة إلى مصر إلا بعد أن فقد بصره وتقدم به العمر والإنسان المصري المعروف عنه بأنه لايتنازل عن ثأره ولو طال الزمان ، وإذا لم يأخذ بثأره في حياته فأن أبناؤه وأحفاده يتوارثون هذا الثأر ولذا ظل الإنسان المصري محتفظاً في وجدانه لما جرى من إذلال لثورته بواسطة القصر الملكي المدعوم من قبل الاستعمار البريطاني عليه وحين قيام الضباط الأحرار بثورتهم وعلى رأسهم جمال عبد الناصر فقد كانوا ضد القصر الملكي وضد الاستعمار البريطاني الذي يسانده لذا وجدوا تجاوبا من جماهير الشعب المصري وبعد انتصار الثورة ، قامت قيادتها بتكريم الأستاذ توفيق الحكيم بجائزة الدولة التقديرية ولو أنه في أواخر حياته ، وبعد وفاة جمال عبد الناصر تراجع عن حماسه للثورة وكتب كراسته المعروفة " عودة الوعي " ورغم ذلك فإن كتابه " عودة الروح " فأن من يقرأه اليوم لابد وأن يعجب به لأنه يحمل في طياته الكلمة الخالدة ، وذلك بالإضافة لكتبه الأخرى الكثيرة مثل " يوميات نائب في الأرياف " و " عصفور من الشرق " وغيرها . النموذج الثالث : هي ثلاثية نجيب محفوظ " السكرية " و " قصر الشوق " و " بين القصرين " والتي كانت أيضاً عن ثورة 1919 م المصرية بقيادة حزب الوفد وزعيمه سعد زغلول ، ففي تلك الثورة وبينما كان الاستعمار البريطاني وكعادته في أتباع سياسة " فرق تسد " يحاول تمزيق الشعب المصري على أسس دينية بين المسلمين والمسيحيين ، إلا أن ثورته المشار إليها رفعت شعار " الدين لله والوطن للجميع " بتعانق الهلال مع الصليب ومكرم عبيد المسيحي القبطي ظل واقفا إلى جانب سعد زغلول المسلم في حزب الوفد ، نجيب محفوظ وفي ثلاثيته المشار إليها قام بتصوير وقائع تلك الثورة وفي شكل أدبي رائع ولذا فأن أي قارئ يعود لتلك الثلاثية اليوم سيجد متعة في قراءاتها وأيضا يجد فيها فائدة إذا كانت لديه قضية مماثلة لماكان يجري في مصر آنذاك . هذه نماذج ثلاثة للكلمة الخالدة ولو أردنا لأتينا بالكثير من النماذج وهكذا فأن عراقة وأصالة الشعوب تتبين من خلال التراث الذي يتركه النوابغ من أبنائها والذي يفيد شعوبهم عبر عقود وقرون بل تستفيد منه البشرية جمعاء ، حيث أن بعض مؤلفات نجيب محفوظ ترجمت إلى لغات أوروبية كثيرة وبذا نال جائزة نوبل في الأدب وكان ذلك فخرا لمصر ولكل العرب وعلى العكس من النموذجين للكلمة الخالدة لدى توفيق الحكيم ونجيب محفوظ فأن هناك نموذجا واحدا للكلمة المبتذلة يتمثل في كتاب أصدره أحد زبانية القصر الإمبراطوري وعنوانه " أثيوبيا في عصرها الذهبي " وكان عبارة عن مدح وإطراء للإمبراطور هيلي سيلاسي و " منجزاته " التي ذكرها الكاتب ، ولم يكن لها وجود في أرض الواقع . وهذا الكتاب نموذج للكلمة المبتذلة مدفوعة الأجر لأنها لم تكن صادقة ، ولأن معاناة أثيوبيا وشعبها في عهد هيلي سيلاسي معروفة وكانت فترة حكمه عبارة عن مجاعات وحروب وقهر . ولأن الكلمة المبتذلة لاتعمر طويلا فأن الكتاب المشار إليه أصبح نسيا منسيا ولم تبق منه في ذاكرتي سوى عنوانه فقط .