رورا ماريت .... قريتي التي أحببت بقلم : محمد سعيد ناود ( 1 )
ولدت بقرية (ماريت ـ رورا حباب) بمديرية نقفة بإقليم الساحل الشمالي . وقد ولدت في عام 1936م حسبما أكد لي والدي ، فهم كانوا يؤرخون بالأحداث الكبيرة حيث لم تكن هناك شهادات ميلاد . وقد اخبرني والدي بأنني ولدت يوم اكتسحت ايطاليا الأراضي الأثيوبية ، كما أن التسنين الذي أجراه لي طبيب بريطاني بمدينة بور تسودان عند التحاقي بالمدرسة يؤكد ذلك حيث كانت السابعة هي العمر المطلوب للقبول والالتحاق بالمدرسة في العهد البريطاني .
تتميز قرية ماريت بطبيعة خلابة ، وتضاريس الأرض مرتفعة ومنخفضة ومنبسطة ، فإذا كانت عاصمتها نقفة مرتفعة وهي بمستوى العاصمة أسمرا ارتفاعا كما يقولون فان قرية ماريت تكون أكثر ارتفاعا من اسمرا حيث أن المسافة بينها وبين نقفة مسيرة يوم كامل سيرا على الأقدام باتجاه الغرب من جبل إلى جبل اعلي حتى الوصول إلى ماريت التي تقع على الهضبة وبأرضها المنبسطة ، وتتميز بجو بارد للغاية حيث أن الماء يتجمد أحيانا ، وتتميز أيضا بأشجارها الباسقة وبالذات أشجار النرد (الصنوبر) التي ترتفع إلى عنان السماء وهي ذات رائحة ذكية وأخشابها حمراء ، وتشبه في حمرتها أشجار (الزان) . وأشجار الزيتون البري منتشرة بها وبسفوح جبالها وتشكل غابة خضراء خاصة وان شجرة الزيتون تتميز باخضرارها على مدار العام صيفا وشتاءا ، وليس هناك من يزرعها أو يتولى رعايتها وسقايتها ، ولكنها تعتمد على الجو البارد والمطر .. وأشجار ( التسس )الخضراء أيضا على مدار العام ، وحشائش برية ذات روائح ذكية ويعضها ويدعى (اراي) فانه يشرب مثل الشاي بعد تحليتة بالماء وله طعم لذيذ ورائحة محبوبة خاصة وانه ينبت بين صخور الجبال وأيضا دون أن يزرعه احد أو يهتم برعايته . وبحكم عدم وجود طرق معبدة للسيارات فان سكان ماريت وفي تنقلهم سواء كان بينها وبين نقفة أو لقرورة في رحلة الشتاء والصيف (سبك ساقم) التي كانوا يمارسونها باستمرار فان وسيلة مواصلاتهم هي السير على الأقدام أو فوق ظهور الجمال والثيران لنقل عفشهم أو لركوب النساء والأطفال الصغار ، أما الرجال والصبيان فإنهم يقطعون تلك المسافات الطويلة سيرا على الأقدام ، ففي الإقليم بكامله لم تكن توجد آنذاك أي سيارة . قرية ماريت كانت تمتهن الزراعة والرعي للماشية ، وأرضها الزراعية ضيقة في مساحتها ، وكل عائلة من سكانها تمتلك قطعة ارض يزرعونها بالشعير والقمح ، كما أن أراضيها خصبة للغاية ويخصمون قطعة صغيرة بطرف المزرعة ويزرعون بها السمسم والحلبة للاستعمال الخاص ، أما الآن فقد بدئوا يزرعون بها البطاطس والفول المصري كمحصول نقدي يتم تسويقه خارج هذه القرية ويدر دخلا ماليا مجزيا على أصحابها . وعندما ينتهي موسم الزراعة فقد كانت القرية بكاملها تنتقل إلى الأرض المنخفضة باتجاه السواحل بالإقليم بمواشيهم ، وبعض الرجال معهم عائلاتهم بكاملها كانوا يتحركون إلى طوكر السودانية ، وبالتالي يتحصلون على أجور مالية كما يتحصلون على كمية من الذرة ويعودون بها لذويهم لأعاشتهم لشهور طويلة ، كما كانوا يتسوقون بشراء الملابس لهم ولذويهم من الرجال والنساء والبن والسكر ولذا فان العملة الفضية في السودان كانت هي العملة السائدة في كل إقليم الساحل ، وبعض الأسر كانت تنتقل من طوكر إلى بور تسودان وتستقر هناك دون أن تقطع علاقاتها أو صلتها بقريتها وسكانها . مجتمع قرية ماريت كان متكافلا ومتعاونا في كل شيء ، فالزراعة كانت تتم بواسطة الثيران لحراثة الأرض ، وهو نفس الأسلوب السائد والذي شاهدته في المرتفعات الإرترية حتى اليوم ، وان من لا يملك الثيران فان القرية بكاملها كانت تتولى حراثة أرضه بشكل جماعي وفي يوم واحد ، وهو لا يتكفل إلا بإعداد العصيدة لهم كطعام الغداء فقط ، والمرأة في هذه القرية لم تكن حبيسة المنزل فبالإضافة لواجباتها كربة منزل من العناية بالأطفال وإعداد الطعام لجميع أفراد الأسرة فإنها أيضا تقوم بجلب الماء لحاجتها المنزلية ، بل وإنها أيضا تشارك في الزراعة وبتنظيف المزرعة من الحشائش الطفيلية التي تضر بالزراعة ، كما أنها تشارك أيضا في عملية الحصاد