الكتاب : معركة أرتريا ( 1961ـ1970) بقلم : عثمان دنــدن
كتاب : معركة إرتريـا ( 1961ـ 1970 ) تأليف : عثمان صالح دندن عرض : محي الدين علي عدد الصفحات : 520 من القطع الكبير في المقدمة التي وضعها المؤلف لكتابه يؤكد بأن محاولته هذه من أجل إخراج هذا السفر هي بمثابة جهد متواضع من أجل الإسهام في تخليد ثورة الشعب الإرتري هذا الشعب الصغير ، الكبير في تضحياته ، ولكي يعلم جيل ما بعد الثورة والتحرير كم كانت تضحيات الآباء الذين يفخرون بهم ويعتزون .
وحرصا من المؤلف على ضرورة التنقيب والبحث عن خفايا ودقائق التجربة الإرترية فقد دعى كافة الإرتريين الذين لديهم الاستعداد للكتابة والبحث أن يضعوا تحت تصرفهم كافة المستندات والوثائق التي تعينهم على التأليف والتأريخ ، حتى تتمكن الأجيال الإرترية القادمة من معرفة المآثر التاريخية والبطولات الخارقة التي سطرها الآباء والأجداد في معركة النضال الطويلة التي خاضها هذا الشعب ، ولحقب طويلة، ربما تربوا على المائة عام ، من التحدي والصمود والتمسك بالأرض والزود عنها شبرا شبرا ، وكانت النتيجة التشرد واللجوء والاستشهاد ، ولكن في النهاية كانت النتيجة بتحقيق الحلم والاستقلال في صبيحة الرابع والعشرون من مايو . وفي لمحة وفاء من المؤلف فقد أهدى كتابه إلى المعلم الثائر الشهيد عثمان سبي باعتباره قد أثرى المكتبة العربية بمؤلفات عن قضية الشعب الإرتري وماقام به من ترجمات معظم ماكتب عن ارتريا بعدة لغات ، كما يؤكد المؤلف أن كل ماتطرق له في هذا الكتاب من أحداث ويوميات كانت جميعها ممهورة بتوقيع الشهيد سبي وبصماته ظاهرة على طول هذه المسير الظافرة . بقى أن نقول أن المؤلف هو أحد الكوادر الهامة في تنظيمات الثورة الإرترية فقد عمل ممثلا لجبهة تحرير إرتريا منذ العام 1962م وكان له دوره المشهود على صعيد العمل الجماهيري في المملكة العربية السعودية وقد لعب أدوارا هامة في توضيح وجهة النظر الإرترية في الشارع السعودي على مدى عدة عقود ، وكانت بصماته واضحة في الحياة اليومية للإرتريين المقيمين في المملكة في تلك الأيام . عن بدايات وبواكير النضال الإرتري يقول المؤلف أن دوافع الانهيار الاقتصادي وسوء الأحوال المعيشية في إرتريا هي التي دفعت بالإرتريين وفي شكل موجات مهاجرة من العمال إلى المملكة العربية السعودية عبر السودان واليمن ومن الطلاب الإرتريين إلى جمهورية مصر العربية طلبا للعلم ، وفي العام 1958 م ومن وسط هذه القوة المهاجرة نشأت حركة تحرير إرتريا في مدينة بورتسودان قبل أن تنقل نشاطها إلى داخل ارتريا وكانت السباقة في مجال التنظيم والتعبئة أما عن ميلاد جبهة تحرير إرتريا يقول المؤلف لقد احتضنت مصر منذ عام 1952م أعداد من الطلبة الإرتريين الوافدين طلبا للعلم وتزايد عددهم حيث أقاموا اتحاد طلبة إرتريا وقد أفتتحه عضو مجلس قيادة الثورة في مصر ( أنور السادات ) في عام 1957م ، وفي عام 1959م وصل إلى مصر السيدين إدريس محمد ادم رئيس البرلمان السابق وإبراهيم سلطان سكرتير حزب الرابطة الإسلامية وهنا ازدادت نشاطات الطلبة الإرتريين وعقدت لقاءات عدة مع الزعيمين القادمين حيث قاموا بشرح أسباب لجوؤهما باتفاق وتفاهم مع القوة الوطنية في إرتريا وبقصد إجراء الاتصالات مع حكومات الدول الشقيقة واطلاعهم على الأوضاع السائدة في إرتريا نتيجة الممارسات الأثيوبية الرامية إلى إنهاء الكيان الإرتري . وفي شهر أغسطس عام 1960م عقد أول اجتماع تأسيسي لجبهة تحرير إرتريا في القاهرة برئاسة السيد إدريس محمد ادم وتمخض عن هذا الاجتماع التأسيسي إصدار لائحة سميت دستور جبهة تحرير ارتريا ، وقد تضمنت الفكرة الاستقلالية واعتماد أسلوب الكفاح المسلح وانبثقت عن الاجتماع لجنة عرفت باللجنة التنفيذية . وعن التسرع وعدم التخطيط لانطلاقة الكفاح المسلح والظروف الغير مواتية لاندلاعه وفي مواجهة شجاعة للنفس والنقد الذاتي يقول المؤلف يؤخذ على الثورة الإرترية وتنظيم جبهة تحرير إرتريا فعند بدايتها أنها اختارت أو قدمت البندقية على التنظيم أو كمن يضع العربة أمام الحصان تلك كانت إشارة إلى المشكلات التنظيمية التي اعترضت مسيرة الكفاح المسلح الطويلة ومن هنا كانت البداية الخاطئة فقد أعلنت الثورة دون أعداد الحد الأدنى من الإمكانات العسكرية والتدريبية والتنظيمية وكانت نتيجته الحتمية قيام تنظيم يفتقر إلى وثيقة تنظيمية شاملة تحدد المسؤوليات وتقيم قيادة قوية تخضع لأوامرها أجهزة الجبهة السياسية منها والعسكرية مما أنعدم معه القدرة اللازمة على التنسيق والتنفيذ فأدى ذلك إلى قيادات متعددة تتسم بطابع الفردية والاستغلال على الرغم من وجود دستور ولوائح تنظيمية للجبهة . أيضا يتحدث المؤلف وبشكل من التفصيل عن الأعداد الكبيرة من المقاتلين الإرتريين الذين نالوا تدريبا متطورا في عدد من البلدان العربية مثل سوريا حيث فتحت سوريا أبواب كلياتها العسكرية للإرتريين حتى بلغ سلاح الطيران وذلك بدفعات متواصلة ابتدءا من عام 1963 وحتى عام 1980م . وقد أفرد المؤلف فصلا تضمن معلومات عن منظمة ( العقاب ) ، وقد اتخذته المجموعة الفدائية التابعة لجبهة تحرير إرتريا شعارا لها وقد أشرف على هذه المجموعة شخصيا المناضل عثمان سبي وتكونت هذه المجموعة من الكوادر المتواجدين في الخارج وقد تكفل المناضل الفلسطيني الشهيد أبو علي إياد بالأشراف بنفسه على هذه المجموعات في أحد المعسكرات الفلسطينية . وقد أحتوى الفصل الأخير من الكتاب على محاضر اجتماعات القيادة الثورية بالإضافة إلى دستور ارتريا والتوزيع السكاني في إرتريا كما تضمن هذا الفصل نص اتفاقية القاعدة الأمريكية . أخيرا على الرغم من أن الكتاب وهذا الجزء الذي يتناول فترة 1960ـ1970م قد جاء حافلا وغنيا بالوثائق والبيانات والمعلومات المؤرشفة إلا أن مايؤخذ على الكاتب فقد قدمها جميعها دون أي تعليق أو توضيح ، خاصة لأن بعض الأحداث والعناوين التي نشرتها الصحف الإثيوبية في ذلك الوقت تم نشرها في الكتاب وكانت تتطلب بعض التوضيح لأن نشرها بهذا الأسلوب قد تخلق بلبلة وتشويش خاصة لدى القراء الذين لم يواكبوا هذه التجربة في بواكيرها . عموما هو كتاب لاغنى عن امتلاكه نظرا لما جمع بين دفتيه من حقائق وأحداث نحن أحوج أن نتعرف عليها ، ولاشك صدوره هو رفد وأغناء لمكتبتنا الإرترية باللغة العربية التي لاتزال فقيرة ، ونتطلع أن تتواصل مسيرة الكتابة والتأليف خاصة وسط قياداتنا الذين خاضوا غمار التجربة فمن حق الأجيال عليهم أن يقوموا بتمليكها الحقائق عن ماضي نضال شعبنا ومسيرته الكفاحية التي تمتد لنصف قرن .