بقلم : محمد سعيد ناود ورغم إن الأرشيف الكامل للصحيفة غير موجود حتى الآن، إلا أن الأعداد التي حصلت عليها واطلعت عليها تعتبر سجلا حافلا لما كان يجري في إرتريا وفي العالم، وما كان يدور حول القضية الإرترية، وأخذت منها عددا واحدا كنموذج لذلك. والعدد الذي وقع عليه اختياري هو العدد 94 السنة الرابعة، الصادر في 28/9/ 1950م. فعندما أحيلت القضية الإرترية بتاريخ 16/9/1950 م إلى الأمم المتحدة أوردت الصحيفة في صفحتها
الأولى من هذا العدد وبالخط العريض النبأ التالي تحت عنوان "إحالة مشكلة إرتريا إلى الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة"، وأثناء ذلك كانت الصحيفة الصوت المعبر عن تطلعات الشعب الإرتري بدعوتها الصريحة لاستقلال إرتريا، ومتابعة أخبار زعماء الحركة الاستقلالية. بالإضافة إلى ذلك كانت تلك الصحيفة تتصدى للادعاءات الإثيوبية الباطلة وتتولى تفنيدها لتثبت حق إرتريا في الاستقلال، مثل باقي المستعمرات في القارة الإفريقية. وكمثال لذلك فإن وزير خارجية إثيوبيا آنذاك وأمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ألقى خطابا يبرر فيه طلب إثيوبيا بضم إرتريا إليها بحجة أن إرتريا بلد فقير، وتعتمد على الحبوب (الطاف) التي تأتيها من إثيوبيا، وقامت صحيفة صوت الرابطة الإسلامية الإرترية في عددها المشار إليه بالرد عليه تحت عنوان "نقول لجناب الوزير"، أكدت فيه أولاً: أن إرتريا إذا استوردت حبوب الطاف أو غيرها سواء كان من إثيوبيا أو من بلد آخر، فإنها تدفع ثمن هذه البضاعة من أموالها ولم تتسول أو تطلب حسنة من أحد. واسترسلت الصحيفة في المقال المشار إليه قائلة: أن إثيوبيا تغلف هذه الادعاءات لتغطية أهدافها الحقيقية المتمثلة في رغبتها الاستيلاء على الموانئ الإرترية. منطلقة من أهدافها التوسعية، كما أنها في المقال المنشور تعطي درسا هاما وواعيا لوزير الخارجية الإثيوبي عن المصالح المشتركة بين الدول وممارسة التصدير والاستيراد في المنتجات الزراعية والصناعية دون الادعاءات بأن وجود بضاعة لدى دولة أخرى اشترتها بأموالها يعطيها الحق بالمطالبة بضمها إليها. أيضا أن الصحيفة كانت في ذلك الزمان البعيد تقوم بتغطية الأحداث العالمية، وفي نفس العدد المذكور من الصحيفة هناك تغطية للحرب الكورية ونبأ سقوط مدينة (سيئول) بيد الجنرال الأمريكي المشهور (ماك آرثر) والتي أصبحت فيما بعد عاصمة كوريا الجنوبية حتى اليوم. وبالنسبة للتغطية الخارجية للصحيفة وفي نفس العدد المذكور هناك عنوان مثير وهو (أفريقيا للأفريقيين) الذي يشير في الموضوع إلى نوايا وأهداف قيادات أفريقيا في ذلك الزمان أي قبل أكثر من خمسين عاما للتخلص من الاستعمار الأجنبي وتحقيق التحرر. أيضا في نفس العدد من الصحيفة الإشارة تحت عنوان (موقف الباكستان من قضية استقلال إرتريا)، ولا يزال موقف الباكستان اليوم شبيها بموقفها قبل أكثر من نصف قرن متعاطفا مع إرتريا. هذه مجرد أمثلة لاهتمامات الصحيفة بالمسائل الخارجية. أما في المسائل المحلية أي بداخل إرتريا فإنها أيضا كانت تتطرق إليها بالتفصيل. المهم أن صناعة الإعلام في ذلك الزمان البعيد لم تكن إرتريا متخلفة عنها. ورغم أنها كانت آنذاك تحت الاستعمار الأجنبي إلا أنها لم تكن أقل شأنا من غيرها من دول الجوار والقرن الإفريقي، بل ربما كانت أكثر تطورا وتقدما من بعضها. ويعود ذلك لجهد إرتري بحت، ويعود الفضل فيه لرأسمالي إرتري هو الشيخ بشير الذي يمكن أن نعتبره من الرأسمالية الوطنية الواعية والمتنورة وذات الاهتمام والتوجه البناء. ويكفيه فخرا ما قام به في مجالات الحقل الوطني والدفاع عن قضية وطنه، وما حققه في مجال الإعلام بإصداره لهذه الصحيفة الهامة. وخلاصة القول أن الأرشيف الكامل لصحيفة الرابطة الإسلامية الإرترية يفيد كمرجع تاريخي هام. من جانبي ومنذ فترة أقوم بالسعي لاستكمال هذا الأرشيف وغيره من باقي الصحف الإرترية الصادرة قبل أكثر من نصف قرن.عندما تكتمل عندي الأعداد المطلوبة سأقوم بإهدائها إلى المركز الإرتري للتوثيق والبحوث بأسمرا للاطمئنان على حفظها لفائدة الباحثين والدارسين بعد ذلك. وفي النهاية فان هذا تاريخ إرتري علينا أن نهتم به ونحفظه من الضياع. خروج الشيخ بشير عثمان من إرتريا ووفاته لم يتحقق حلم الاستقلال في حياة الشيخ بشير، بل إن الفيدرالية تم إلغاؤها من جانب واحد وضمت إرتريا قسرا إلى الإمبراطورية الإثيوبية. وحظرت الأحزاب السياسية، وأصبحت الرموز التي كانت تطالب باستقلال إرتريا مطاردة، وبعضها داخل المعتقلات والبعض الآخر هرب إلى الخارج. كما أن صحيفة(صوت الرابطة الإسلامية الإرترية) التي كانت رئته التي يتنفس بها توقفت عن الصدور، بل إن الشيخ بشير أصبح تحركه محدداً ومنع من مغادرة إرتريا. وعليه في عام 1965م تمكن من مغادرة الوطن وهاجر إلى المملكة العربية السعودية واستقر به المطاف بالمدينة المنورة حيث تفرغ للقراءة والإطلاع، وفي تلك الفترة يقال أنه تمكن من قراءة أكثر من 500 مجلد في مختلف حقول المعرفة. أثناء إقامته بالمملكة العربية السعودية اتصلت به رابطة العالم الإسلامي، وطلبت منه أن يكون مندوبها المتجول في إفريقيا، إلا أنه اعتذر عن قبول ذلك المنصب قائلا: أنه وبعد أن اضطر لمغادرة وطنه ولم يتحقق هدفه بتحقيق استقلال إرتريا فإنه لن يسعى ولن يتفرغ لموقع عام آخر خارج وطنه. رحل الشيخ بشير عن دنيانا في عام 1987م قبل أن يشاهد الانتصار، وقبل أن تكتحل عينيه برؤية الاستقلال الذي عمل وناضل من أجله بالمال والنفس، وقد دفن (بالبقع) بجوار الحرم النبوي وانضم لذلك الرعيل الذي يستحق أن يجد التقدير من الأجيال الحالية والقادمة. للشيخ بشير ابنان هما: محمد العبقري وعبد القادر بشير. نالا درجات علمية عليا وبالتالي يقدران القيمة التاريخية لوالدهما. ومثل هذه الشخصية وهي شخصية عامة بالتأكيد تكون قد تركت ورائها وثائق وأسرار عن تلك المرحلة الهامة من تاريخ إرتريا وسعيها من أجل التحرر، وأيضا المكتبة العامرة التي كان يقتنيها بحكم أنه كان قارئا نشطا وباحثا، بالذات في علم الفلك، لذا فإنني أتوجه لولديه بجمع هذا التراث وتسليمه للدار الإرترية للتوثيق والبحوث في أسمرا أو حتى لجامعة أسمرا، ذلك لمصلحة التاريخ الإرتري ولكي يستفيد الباحثون والدارسون من ذلك.