الكتاب : الثورة الإرترية في الميزان ، تأليف : عبد القادر حمدان
عرض : محي الدين علي يمكن تصنيف كتاب الأستاذ عبد القادر حمدان ( الثورة الإرترية في الميزان ) في خانة كتب السيرة الذاتية أو كتب المذكرات ، وبالرغم من أن الكتاب غير محدد سنة النشر ، ولكن صدوره قبل التحرير بأعوام على مايبدو يؤكد أن الأستاذ حمدان كان سباقا ورائدا في هذه النوعية من الكتابة ، وقد تبعه الكثير من المناضلين في تدوين مذكراتهم ونشرها ، مثل الأستاذ أحمد شيخ فرس وكتابه المعنون ( نضالي مع الثورة الإرترية ) والأستاذ عثمان بدوي عمريت في ( يوميات سجين ) و الأستاذ محمد سعيد ناود في ( حديث الذكريات والمذكرات ) الذي
سوف يصدر لاحقا ، وربما هناك آخرين ولجوا عالم الكتابة عن السيرة الذاتية في إرتريا . ولما كانت هذه النوعية من الأدب تحتاج إلى الموضوعية العالية والأمانة خاصة وأنها قد تؤرخ وتسجل لمناضلين رحلوا عن دنيانا وهم في عداد الشهداء وهنا يكون ضمير الكاتب هو الحكم الذي يجب أن ينقل وبصدق وبشفافية الأحداث والوقائع كما عاشها ، ومع ذلك هناك محاذير الحساسية الاجتماعية للشعب الإرتري الذي لايمكن أن يتسامح في كثير من الأحيان للتطرق لنواحي تندرج ضمن المحظورات حتى ولو كانت حقائق ، وهنا سوف تكون مهمة الكاتب عسيرة وصعبة . الأستاذ حمدان وبقلمه الرشيق ينقلنا في بحور رحلته الطويلة والشاقة التي بدأت في بدايات العام 1965 ، تلك الرحلة التي كانت بمثابة المعجزة نظرا لافتقاره لأي أوراق رسمية أو مستندات يمكن أن ينتقل بها إلى السعودية . وقد وصل إلى مدينة جدة السعودية في اليوم التالي ، ليجد نفسه في اجتماع عام في مكتب الجبهة يعقده المناضل عبد الرحمن نكروما الذي قرأ على مسامع الحضور بيانات وصلت لتوها من ارض المعركة في الميدان ، وبعد برهة وجد المؤلف نفسه عضوا في جبهة التحرير الإرترية بعد أن أطلع على الدستور ونال بطاقة العضوية والتي يعتبرها بمثابة ( جواز سفر إرتري ) . بعد عدة أشهر قضاها المؤلف في جدة حضر اجتماع عقده المناضل عثمان سبي حثهم فيه على الالتحاق بالنضال وحمل السلاح في مواجهة جيش الاحتلال ومن أجل رفد جيش التحرير الإرتري. وتتواصل رحلة المؤلف، ففي شهر سبتمبر من نفس العام يتوجه مع عدد من رفاقه إلى دمشق لتلقي الدورة العسكرية وقد كان في استقبالهم السيد إبراهيم إدريس محمد أدم الذي كان رئيسا لمكتب دمشق لجبهة التحرير الإرترية. ينقلنا المؤلف عبر عدد من الصفحات لبعض المواقف خاصة وانه هي المرة الأولى التي يتعرف على عدد من أبناء وطنه الذي سبقوه إلى الدورة ، خاصة انه لم يسبق وأن سمع بأسماء بعض القبائل والعشائر الإرترية كما يقول ، وكانت تلك تجربة جديدة بالنسبة له ، دون أن يخفي تحفظه واستيائه من بعض الممارسات القبلية في تلك الدورة التي ألتحق بها خاصة وأن الصراع بين أطراف المجلس الأعلى وبعض قيادات المناطق لم تزل في أوجها . وكان قدره أن يصنف ضمن فئة ( السباويين ) أي جماعة عثمان سبي ، وهو الذي لم يسمع حتى ذلك الحين باسم عد هاسري ، وعد معلم ، وعد شوما . كثير من المواقف الدرامية التي تعكس حالة التشظي غير المعلن الذي كانت تعيشه الثورة الإرترية على أساس قبلي وعشائري كادت تعصف بالدورة ومنتسبيها ، يذكرها المؤلف وبشيء من المرارة عبر صفحات الكتاب . وفي نهاية العام 1966 أنتقل المؤلف من دمشق إلى جدة ثم عبر الشواطئ الإرترية إلى السودان حيث أستقبلهم المناضل المرحوم صالح أياي في مدينة بورسودان . وبعدها إلى كسلا ثم إلى الميدان. يقول المؤلف واصلنا مسيرتنا الصعبة والتي يكتنفها الكثير من العنت والمصاعب وحاولنا في كل مكان نصل إليه أن نشرح أهداف الثورة وقد أتيحت له المرة الأولى في منطقة ( سراي ) خاصة وأن هناك مجموعات إرترية كانت تحارب إلى جانب العدو الأثيوبي ، وأتضح أن هناك عداء تاريخي بين بعض مكونات المجتمع في سراي قامت على تغذيته بعض العناصر التي تنوي إفشال الثورة ووأدها وهي في مهدها ، وبرغم كل مافعلوه من توعية وتثقيف أتضح للمؤلف أن لاجدوى من كل ذلك نظرا للمرارات التي خلفتها خلفية تلك المشاكل والتي أدت إلى القتل والتقتيل بين أفراد الشعب في تلك المناطق . ويتوقف المؤلف عند المشاكل بين المناطق الخمسة والنزاعات التي كانت تدور فيما بينهم والكنتونات التي خلقتها تلك التجربة التي لم تكن ناضجة ومكتملة والتي كرست إلى مزيد من حالات التقوقع والتكتل على أسس مناطقية وعشائرية ضيقة تسببت في أهدار الكثير من الوقت والجهد بل والأرواح . النقطة التي يتوقف عندها القارئ لهذا الكتاب هي التحامل على المناضل الكبير محمد علي عمرو الذي كان يتصدر كل المواقف ويتحمل أعبائها باعتباره أحد الكوادر المتقدمة في الثورة ، من منطلق الحرص على الوحدة الوطنية ، وهنا لايخفي المؤلف خلافه العميق من المناضل الكبير محمد علي عمرو إذ يقول إن تحمل السيد عمرو لأعباء الوحدة لم يكن منطلقا من الحرص والوطنية بقدر ماهو لأمور يخبئها في نفسه تجاه قادة المناطق . كما يتناول المؤلف شخصية المناضل محمد أحمد عبده قائد القيادة العامة فيقول عن معاناته من عقدة عدم الشرعية في القيادة المؤقتة، مضيفا أنه لم يكن واثقا من إمكانياته وقدراته. ثم يعود المؤلف للمناضل محمد علي عمرو الذي يقول انه لم يكن له أي نشاط يذكر بعد أن تركه محمد أحمد عبده في جبال قدم حيث انتقلت القيادة إلى المرتفعات تحت أمرة " الملازم " والمقصود هو محمد أحمد عبده. ويضيف المؤلف وبشيء من السخرية أن المناضل عمرو " المسكين " مازال في نشوة انتصاره ولم يعرف ما دار في الساحة. ولم يتبقى سوى عدد قليل من القاتلين الذين تولوا حراسته الشخصية . يتضمن الكتاب بيان مؤتمر أدوبحا في العام 1969 بالإضافة للقرارات الصادرة عن المؤتمر وأسماء أعضاء القيادة العامة التي كانت تتألف من 38 عضوا . الكتاب كما أسلفت يسجل لمرحلة هامة عاشها وتعايش مع أحداثها المؤلف وكانت حبلى بالخلافات والتناقضات بين مكونات الجبهة في ذلك الوقت المبكر ، أما مايلفت نظر القارئ للكتاب خاصة في صفحاته الأخيرة هو التركيز على شخصية المناضل عمرو وتصويره وكأنه شيطان الخلافات في تلك الفترة والمسئول عن معظمها مما يجعل القارئ يذهب إلى أن في الأمر جانب شخصي وهذا مايتنافي مع أبسط قواعد التاريخ والتسجيل والتوثيق التي تتطلب الدقة والموضوعية وعدم الانزلاق في شخصنة الأمور . كما يحتوي الكتاب على عدد من الصور التذكارية التي تجمع عدد من المناضلين في تلك المرحلة المبكرة. لايتجاوز عدد صفحات الكتاب الـ54 صفحة من القطع المتوسط ، وغير مقسم لفصول وأبواب ومطبوع على الآلة الكاتبة . إجمالا هناك متعة في قراءة الكتاب خاصة في الصفحات المتعلقة بتجربة المؤلف أثناء الدورة العسكرية في سوريا وما حوته من مواقف درامية لمنتسبي تلك الدور الذين لم يسبق لهم وأن غادروا إرتريا أو السودان .