محمد سعيد ناود تائها في الجزائر ، مطلع العام 1965م
في الصفحات التالية يتناول الأستاذ محمد سعيد ناود بعض من ذكرياته المبكرة حول الجزائر التي زارها في منتصف الستينات وتحديدا العام 1965 ، وهو أول قائد إرتري تطأ قدمه أرض الجزائر إذ لم يسبق أن زارها أي مناضل إرتري ، والجزائر في ذلك الزمان لازالت نيران الثورة لم تنطفئ برغم الاستقلال وغبار الثورة لازال عالقا بأجساد المناضلين الذين خرجوا لتوهم من أطول ثورة في التاريخ ،
و( مغامرة ) ناود تلك برغم أهميتها في ذلك الحين ، إلا أنها كانت تحمل بعض المواقف المضحكة والمأساوية في نفس الحين ، وهنا يتطرق الأستاذ ناود لبعض مشاهداته وانطباعاته عن تلك الزيارة الهامة . وسوف يصدر الكتاب الذي يتضمن الكثير والهام عن تفاصيل تلك الزيارة التاريخية قريبا . ( المشرف ) لم أمكث في الجزائر سوى خمسة أيام بعد مقابلات وأحاديث اجريتها هنا وهناك ، ومذكرات مكتوبة مرفقة ببيانات لمن زرتهم من دوائر حكومية او سفارات عربية وغير عربية ، وكلها تحوي شرحاً للقضية الإرترية وأهداف الثورة الأرترية من أجل الحرية والاستقلال ، وكذلك توزيع بيانات كنت أحملها معي لبعض من الصحف الجزائرية التي كانت تصدر في تلك الفترة وابرزها صحيفة ( المجاهد ) . وأعتقد ان هذا النشاط كان البذرة الأولى لتقديم قضية أرتريا للشعب الجزائري ، وبعد بالتأكيد قام كثيرون باكمال المشوار . في الفترة القصيرة التي قضيتها في الجزائر العاصمة ، وكل من التقيت به أو تحدثت اليه من الجزائريين وجدته وهو يفتخر بمشاركته في الثورة الجزائرية . أما من كان يقول لي انه كان في أثناء ذلك في ( الجبل ) فقد كان يقولها بفخر واعتزاز ، وترمز الى انه كان من حملة السلاح في جبال الجزائر، ومايجسد ذلك قصتي مع أحد هؤلاء فقد كنت على موعد مع أحد المسئولين في حزب جبهة التحرير الوطني الجزائرية ، وعند وصولي لمكتبه وجدت خارج المكتب أحد الحراس والذي طلب مني الأنتظار ريثما يخرج الضيف الموجود بالداخل ، وبينما كنت في الإنتظار بدأت بالحديث مع ذلك الحارس عن الثورة وأيامها ، وبدوره عبر لي عن سخطه لأنه يحرس باب مسئول لم يشترك في الثورة كمقاتل ، وحسب تعبيره ( لم يكن في الجبل ) . وعلى العكس منه فقد كان ذلك الحارس مقاتلاً بالثورة والآن يحرس باب من لم يشترك فيها بحمل السلاح . من المعروف ان الاستعمار الفرنسي استعمر الجزائر لأكثر من 130 عاماً . وطوال هذه الفترة ولأكثر من قرن حاول الفرنسيون تغيير هوية وثقافة ولغة الشعب الجزائري ، كما تمت محاولات دؤوبة لفرض اللغة الفرنسية ومحاربة اللغة العربية والإنتماء العربي . وفي تلك الفترة الزمنية الطويلة فان المقاومة الجزائرية وبشتى اشكالها وفي مختلف الحقول فانها لم تهدأ ولم تتوقف . بل كانت تتقدم احياناً وتتراجع في أحايين ، حتى كانت الثورة الأخيرة والتي لم تهدأ ولم تتوقف حتى توجت بالنصر . ولذا فان طابع العنف والعبوس أصبح أصبح أمراً مألوفاً في الجزائر حتى بين الجزائريين أنفسهم . فرغم إعجابي بالثورة الجزائرية وبطولاتها الا ان الظروف التي جمعتني ببعض رموزها في مراحا لاحقة ، فقد تحدثت لي عن أخطاء قاتلة تصل لمستوى الجرائم التي ارتكبتها ربما بحق كثيرين من الأبرياء. وبعضهم كان يصرح بانهم ـ أي جيل الثورة ـ لايستطيع كتابة تاريخها لانه لن يكون دقيقاً ، باعتباره قد شارك في تلك الاخطاء ، وأخطر مايواجه الثورة الجزائرية كان يتمثل في صراع السلطة سواء كان اثناء بداية اشتعال الثورة او في لحظة انتصارها أو بعد انتصارها . فكم من دماء سالت من رفاق السلاح بيد بعضهم البعض . احدهم قال لي خذ مثلاً ان قرية كانت تعرف باماكن تواجدهم فاذا الجيش الفرنسي يفاجئهم بهجوم ، وبعد فترة عادوا لتلك القرية وطالبوها بتسليمهم للجاسوس الذي وشى بهم لدى الجيش الفرنسي . وعندما لم يهتدوا اليه فانهم قاموا بابادة القرية بكاملها . وحكى لي ايضاً عن أحد قادة الفصائل الذي اكتشف بان سراً من اسرار الفصيلة تسرب الى الفرنسيين ، فجمع الفصيلة بكاملها وخاطبها قائلاً : ( ان بيننا جاسوساً قام بتسريب احد اسرارنا للفرنسيين ، وعلى الفصيلة ان تقوم بتحديد واخراج هذا الجاسوس لمعاقبته ) . فلم تهتد الفصيلة اليه ، وقام من جديد بمخاطبة هذا الجاسوس المجهول قائلاً : ( بدلاً من ان يقع العقاب بالفصيلة بكاملها فمن الأفضل ورأفة بزملائك ، عليك ان تخرج وتعترف بجريمتك ) . ايضاً لم يخرج ذلك الجاسوس ، وبعدها فان ذلك القائد خاطب الفصيلة قائلاً : ( انني أعرف بان الفصيلة بريئة من تهمة التجسس الا واحداً منها ، ولكن ليس لدينا وقت لإضاعته في التحقيقات ) . وفتح رشاشه واباد الفصيلة بكاملها . ووجدت من يبرر ماجرى لانه ـ حسب قوله ـ لولا تلك القساوة لما انتصرت الثورة . جمعتني الصدفة باحد سفراء الجزائر ، وعندما تطرقنا للحديث عن الخلافات بداخل الثورة الإرترية خاطبني قائلاً : ( ان الرأفة والرحمة هي من صفات الأمهات ، ولاعلاقة للثوار بهذه الصفات ، والوسيلة الوحيدة للتخلص من الخلافات والإنقسامات هي إستعمال " الذبح " . فكل من يخرج عن الإجماع عليكم بذبحه ، وللتخلص منه عليكم بعدم استعمال السلاح الناري بل " السكين " بفصل رأسه عن جسده . وان الطلقة النارية عليكم بتوفيرها واستعمالها ضد العدو . وهذا ماكنا نفعله في الثورة الجزائرية . وان القساوة التي كنا نمارسها في صفوفنا كنا نمارسها بشكل مضاعف عند مواجهة العدو الفرنسي وعملائه وجواسيسه ، وبذا نجحت ثورتنا ) . وديبلوماسي جزائري آخر والذي التقيت به ، والحديث مع أي جزائري كان بالضرورة يجرنا الى أيام الثورة وذكرياتها . وأيضاً اخذنا الحديث مع هذا الديبلوماسي عن حادثة لايمكن ان تنسى . وكان يحكيها لي دون حرج . فقال انه كام بالجبل ـ أي ثائر ـ يحمل السلاح ، وفي احدى المرات جاءت القوات الفرنسية الى احدى القرى التي كانت بها عمته بأسرتها . وقام الفرنسيون بالتنكيل بسكان تلك القرية . ومن ضمنها قام احد الجنود الفرنسيين باغتصاب ابنة عمته وهي فتاة لم تبلغ العشرين من عمرها . وبعد انسحاب الجيش الفرنسي قال : ( اتينا لتلك القرية ، فاذا بنا نعلم بتفاصيل ماجرى ، بل وجدنا عدداص من النساء يحرسن ابنة عمتي التي كانت تحاول الانتحار . وعرفنا بالمأساة التي لحقت بها ، فعقدت اجتماعا لسكان القرية وبحضور تلك الفتاة ، وكنتى انا المتحدث حيث قلت للمجتمعين ان ابنة عمتي شريفة . وانا احق بها واريد الزواج منها الآن وامام الجميع ، فاذا بتلك الفتاة تتقدم وترد : انني أقبل عرض ابن عمي ، وسوف اتوقف عن محاولات الإقدام على الإنتحار ، ولكن بشرط واحد هو معرفة انني لست حاملاً ، وفي هذه الفترة اذا اتضح انني حملت من ذلك العدو فانني سوف اقتل نفسي لانني لايمكن ان اعطي الحياة واحمل في بطني ابناً لذلك العدو الذي جلب لي العار ) . وبالفعل وفي فترة قصيرة اكتشفت تلك الفتاة بانها حامل ، وفي غفلة من اهلها ووالدتها التي كانت تراقبها اقدمت على الإنتحار وتخلصت من حياتها ومن ذلك الجنين الذي كان في بطنها والذي غرسه احد الأعداء في أحشائها . هذه هي القصة التي رواها لي ذلك الديبلوماسي عن ابنة عمته . وقبل ان اختم ملاحظاتي عن الجزائر وثورتها لابد وان أشير بان حزب جبهة التحرير الوطني الجزائرية قام بعمل عظيم يظل محفوظاً في تاريخ الجزائر بمداد من نور ، وهو اشعالها للثورة المسلحة في المرحلة النهائية من المقاومة الباسلة للشعب الجزائري التي دامت لأكثر من قرن من الزمان ، ثم هزيمة المحتلين الفرنسيين وإعلان ميلاد الجمهورية الجزائرية المستقلة .
التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.
Re: محمد سعيد ناود تائها في الجزائر ، مطلع العام 1965م (التقييم: 0) بواسطة Anonymous في الأحد 30 أغسطس 2009
وهكذا ناود المناضل المقوار وكما عهدناه دائما رجل التحدى والمواقف الصعبة والحرجة وخاصة فى سبيل الوطن ومن اجل القضية الارترية والتى كانت هى همه الاكبر وشاغله الاوحد فكيف فكر فى ان يخوض مثل هذه التجربة بالسفر الى الجزائر فى ذلك الوقت من الزمان.... متعك الله بالصحة والعافية دوما كى تعطى وتعطى وتنير دروب الكثيرين من شباب هذا الجيل والذين وبحق وحقيقة يجهلون الكثير والكثير عن تاريخ وطنهم واسعدك الله فى الدارين . ولك منى خالص تقديرى واحترامى لما تقدمه من اجل هذا الجيل وكل الاجيال القادمةاد واهمس فى اذنك اخيرا عليك الاهتمام ب صحتك وعافيتك فلنفسك عليك حق ولك منى فائق تقديرى واحترامى.