مناضلاً في سبيل العلم والوطن محمد سعيد ناود جيل اليوم الذي يعيش في ظل دولة إرتريا المستقلة الكاملة السيادة. يجد الكثيرون فرص التعليم أمامهم متاحة بدءا من الروضة ومرحلة الأساس فما فوق، إن هذا الجيل لا يمكن أن يتصور حجم معاناة الآباء والأجداد من التعليم عندما كان وطنهم تحت الاحتلال الأجنبي، وللإلمام بطرف بسيط من تلك المعاناة فإننا سنورد مختصرا لسيرة أحد الرموز الإرترية، وسعيه وراء العلم، وفي نفس الوقت ليكون له وطن خال من الاستعمار الأجنبي. والإلمام بهذه السيرة من شأنه أن يجعلنا نتمسك بهذا الوطن في حد قات عيوننا،
ونزود عنه بالدماء وبالمهج والأرواح في مواجهة كل معتد أثيم، نبذل الغالي والرخيص والعرق لبنائه وتعميره بحيث يسوده الرخاء والازدهار وبالتالي نفاخر به الأمم وقبل ذلك نورثه للأجيال القادمة من الأبناء والأحفاد. والرمز الذي نقدمه ضمن آخرين للأجيال الحالية هو القاضي موسى ادم عمران المولود في بلدة تامبا في ضاحية من ضواحي (اروتا) بإقليم عنسبا وذلك في 8/2/1885م.
× نضاله من أجل التعليم:
ذلك الجيل من الأجداد من سكان الريف لم يكن العلم في مقدمة اهتمام ذويهم. ولذا فهم منذ نعومة أظفارهم كانوا يشاركون في المسؤولية الأسرية إلى جانب آبائهم سواء كان في زراعة الأراضي أو في رعي الماشية، أو الذهاب إلى المدن بحثا عن أي عمل وبأجر زهيد، والقليل منهم كانوا يلتحقون بالخلاوي القرآنية التي لم تكن متاحة للجميع. فان تحصيلهم منها كان قليلا للغاية. التحق القاضي موسى ادم عمران بأقرانه، أولا بخلوة الشيخ محمد ادم إدريس بمنطقته، وبعدها وجد نفسه مشدودا إلى العلم، فانتقل منها لدراسة علم الفقه على يد الشيخ الحاج محمد عثمان الحاج عبد الله من قبيلة الغايواب. ولم يتوقف نهمه ورغبته في العلم عند هذا الحد، بل وجد نفسه راغبا بل ومشدودا للأستزاده. ولم يكن نظام المنح الدراسية التي تقدمها الدول لطلاب العلم – في ذلك الزمن – معروفا مثلما حظي به طلاب إرتريا في مرحلة الثورة لتحرير إرتريا كما لم يكن هناك أباء مقتدرون ومتمكنون اقتصاديا، ويعرفون ويقدرون قيمة العلم والتعليم حتى يبعثوا أبناءهم للتعليم، فيتولون الصرف عليهم، ولانعدام كل ذلك، وبما إن الفرصة لم تكن متاحة في وطنه فان القاضي موسى ادم عمران شد الرحال إلى السودان تاركا من ورائه الأهل والوطن وكانت محطته الأولى في السودان هي مدينة كسلا، ثم واصل طريقه إلى الخرطوم. كان هدفه الوصول إلى المعهد العلمي بامدرمان الذي كانت شهرته كمنارة للعلم في السودان عامة وفي الأقطار المجاورة ومن ضمنها ارتريا. وهذا الصرح العلمي كان قد التحق به كثيرون من الأرتريين وأبرزهم الشيخ إبراهيم المختار احمد عمر مفتي إرتريا السابق، والشيخ الأمين عثمان مفتي إرتريا الحالي، والشيخ حسن بن الشيخ الأمين حفيد الشيخ محمد بن علي صاحب الضريح الشهير في امبيرمي. التحق القاضي موسى ادم عمران بالمعهد العلمي في امدرمان بتاريخ 15/10/1922م وأكمل به المرحلة الابتدائية، وتدرج من الابتدائي إلى الثانوي وانتقل بعد ذلك إلى القسم العالي، وتخرج منه في 9/7/1934م عندما نال الشهادة العالمية.
× عودته إلى الوطن:
بعد إن تزود بالمتاح من العلم في معهد أم درمان العلمي ونال منه أو فيه الشهادة العلمية والتي كانت أعلى الشهادات آنذاك فان القاضي موسى ادم عمران بدأ طريق العودة إلى الوطن، وبدخوله فانه تجول في العديد من المدن الإرترية. وأتضح لاحقا بأن السلطات الإيطالية كانت بواسطة بوليسها تتابع وتراقب كل تحركانه. ولذا فقد تم استدعاؤه إلى مكتب الحاكم العام الإيطالي بأسمر. فأخضعوه للتحقيق. إلا أنهم لم يجدوا تهمة تدينه. ولذا اخلي سبيله.
× التحاقه بسلك القضاء:
في 28/6/1939م تم تعيينه عضوا في محكمة الأستئنافات الشرعية بأسمرا. وفي 25/10/1940م نقل قاضيا شرعيا لمدينة كرن وتم استقراره بها.
× اهتمامه بالتعليم:
بجانب وظيفته في المحكمة الشرعية بكرن فقد كان يقوم بالتدريس في منزله وكذلك في الجامع العتيق لمادة علم الفقه. كما انه عند هزيمة ايطاليا في الحرب العالمية الثانية وحلول الحكم البريطاني باسم دول الحلفاء مكانها، فقد نشأت فكرة نشرة التعليم وإقامة المدارس الأمر الذي كان مفقودا في عهد الحكم الإيطالي، ولهذه الغاية شكلت لجان لجمع التبرعات. وأوكلت إلى قاضي موسى ادم عمران رئاسة هذه اللجان وكان له دور كبير في إنشاء المباني. وبدأ التدريس بها. ولم تتوقف جهود قاضي موسى عند هذا الحد بل تقدم بخطوة جريئة غير مسبوقة عندما طالب بان يكون للبنات نصيب في التعليم وضرورة قبولهن بالمدارس مثلهن مثل البنين، فقبلت الإدارة بهذا الاقتراح وقامت بتشييد مبنى منفصل لهن من مبنى التنين. وذلك من اجل استيعاب البنات. ورغم إن هذه الفكرة الجريئة واجهت اعتراضات وانتقادات من بعض زعماء القبائل إلا إن مدرسة البنات شرعت في نشاطها التعليمي باعتبار أنها خطوة صحيحة ومتقدمة، ولأن صاحب المشروع قاضي موسة قد صمد أمام المناويئن لها. وفي عام 1951م قام بتأسيس المعهد الديني الإسلامي، فقد كان مهموما بالتعليم نتيجة الحرمان من التعليم الذي عاناه الشعب الإرتري في العهد الإيطالي، وهذه المدارس التي ساهم في إنشائها قاضي موسى لعبت دورا كبيرا في تخريج كثيرين من الشباب الذين عمل بعضهم بعد التخرج في سلك التدريس والبعض الآخر في وظائف الدولة.
× مواقفه الوطنية:
في فترة تقرير المصير كان قاضي موسى في مقدمة دعاة الاستقلال، ومن المساهمين الأوائل في تأسيس الرابطة الإسلامية. كما كان من العناصر النشطة في الكتلة الاستقلالية. وعندما تقرر النظام الفيدرالي فقد عقد مؤتمر الأحزاب السياسية بسينما امبيرو بأسمرا من اجل إجراء الصلح بين تلك الأحزاب بعد إقرار النظام الفيدرالي. كما كان حاضرا لذلك الاجتماع الحاكم العام. وقام مندوب هيئة الأمم المتحدة بشرح بنود الفيدرالية. وكان في مقدمة المتحدثين في ذلك الاجتماع قاضي موسى ادم عمران معلقا على ما سمعه عن الفيدرالية حيث كان معروفا عنده الشجاعة الأدبية. وبعد أن قال رأيه في بنود الفيدرالية فقد وجه معظم حديثه إلى ممثلي الأحزاب الإرترية بضرورة تجاوز خلافات وصرا عات مرحلة تقرير المصير. وضرورة التماسك والوحدة في المرحلة الجديدة. وعند تكوين البرلمان الإرتري فاز قاضي موسى ادم عمران لعضويته في دورتين متتاليتين بالتزكية. بعدئذ فقد دار الزمن دورته، فالفيدرالية تحولت إلى استعمار إثيوبي مباشر للوطن الإرتري، بعد أن قامت إثيوبيا بإلغائها من طرف واحد وذلك في 14/11/1962م ونتيجة لذلك فقد بدأت المقاومة الإرترية والتي أخذت أشكالا متعددة حتى توجت أخيرا بالثورة المسلحة. وكان القاضي موسى ادم عمران مواكبا كل ذلك ومؤيدا له بل أصبح عضوا بحركة تحرير إرتريا عند تأسيسها ولذا تم اعتقاله في 14/7/1965م وكان آنذاك في الثمانين من عمره وذلك بواسطة أسراتي كاسا ممثل الإمبراطور في إرتريا ولم يتم تقديمه للقضاء ولكن تمت محاكمته بواسطة اسراتي كاسا في مكتبه باسمرا وبحضور بعض الوزراء، وكان يتولى الترجمة بينهما الجنرال زرغاريام ازاري مدير عام الشرطة الإرترية فأصدر اسراتي كاسا حكمه عليه بالسجن والنفي إلى عصب، فأرسل إلى هناك محفورا. والتهمة التي وجهت إليه كانت الانتماء للثورة الإرترية والعمل ضد الإمبراطور هيلاسلاسي. بعد أن اطلق سراحه من عصب فقد منع من العودة إلى كرن، وتم تحويله إلى مدينة (عدي خالا) للعمل في محكمتها الشرعية. وبعدها نقل إلى محكمة مصوع الشرعية. وفي عام 1968م أحيل إلى التقاعد. وقد توفي في منزله بمدينة كرن بتاريخ 5/6/1993م عن عمر ناهز 108 عام، بعد إن شاهد انتصار الثورة الإرترية رغم تقدمه في السن، إلا انه كان سعيدا بهذا الحدث الذي حلم به طويلا وللأسف لم ينعم ويتمتع به لتقدمه في العمر. إن جيل الرواد من العصاميين كانوا يتطلعون إلى العلا والنهوض بالمجتمع بعد أن اعدوا أنفسهم لهذه المهمة وذلك بالتسلح بالعلم. لأنه بدون العلم لايمكن سلوك طريق الرقي والتقدم وكما قال الشاعر: العلم يرفع بيتا لا عمـاد لـه والجهل يهدم بيت العز والشرف إن هؤلاء الرواد من المهم تسجيل تاريخهم ليصبحوا إلهاما وقدوة ومنارة لأجيال الحاضر والمستقبل. وختاما أتقدم بشكري للأستاذ محمد علي محمد إبراهيم رجى الذي ساعدني للألمام ببعض فصول حياة القاضي موسى ادم عمران.