ذكريات ناود : مع المشعوذين والدجالين كانت لنا أيام
إضاءة : محي الدين علي الصفحات التالية تتضمن بعض من ذكريات ناود المبكرة في مدينة بورسودان ، مع المجانين والمشعوذين الذين حفلت المدينة بهم في منتصف القرن الماضي ، وهذه الصفحات يتضمنها كتابه الذي يصدر قريبا والمعنون ( حديث الذكريات والمذكراتـ أوراق من سيرة ذاتية ) :
(( ... ومن معالم مدينة بور تسودان التي لاتنسى كان هناك مواطن يمني يدعى العمودي ، ويشاهد دوماً وهو يحمل آلة نحاسية عبارة عن صفارة، كما يحمل عدداً من الكتب الصفراء تحت إبطه أبرزها كتاب " شمس المعارف الكبرى " . ويمر بشكل يومي في السوق ويتوقف قليلاً أمام أي دكان دون أن يطلب حسنة ، وكان يرتدي ملابس نظيفة ، وصاحب أي دكان يتوقف أمامه كان يبادر أما بتقديم مبلغ مالي له أو دعوته للجلوس وإحضار الأكل والشاي له . كان ذلك الشخص يصاب أحياناً بحالة شبه هستيرية تجعله يجلس على ألأرض ثم يمسك بالصفارة ويعزف عليها مع ترديد أغنية " يابنات المكلا، يادواء كل علة " وهي أغنية يمنية جميلة ومعروفة . وأثناء ذلك يتوقف عن العزف والغناء ليقول : " البنات ظلموهم ،، بنات المكلا ظلموهم " . ثم يواصل العزف والغناء حتى يتصبب عرقه وتحمر عيونه ، ثم يتوقف وهو في حالة من الإجهاد . ويقف على قدميه ويواصل برنامج سيره اليومي . وسمعت من البعض يقولون أن كتاب " شمس المعارف الكبرى " الذي يحمله تحت إبطه به شروحات كافية لتحضير الشياطين وامتلاكها ثم تسخيرها لإرادته . وان العمودي حامل هذا الكتاب لديه الكثير من الشياطين التي يمتلكها ، وان التجار من أصحاب المحلات الذين يتوقف أمامهم فإنهم يقومون في الحال بإكرامه بمبالغ أو بطعام فإنهم يفعلون ذلك لا رأفة به ولكن خوفاً من شياطينه . وهنا أيضاً وجدت نفسي مشدوداً برغبة جامحة لأمتلاك احد الشياطين بواسطة هذا الكتاب . وظللت أبحث عن هذا الكتاب في المكتبات القليلة التي كانت بمدينة بور تسودان مثل مكتبة الشوربجي دون أن أجد أثرا لهذا الكتاب بل أن البعض من أصحاب المكتبات كانوا ينظرون لي باستغراب وهم يتساءلون: ( ماذا تريد من هذا الكتاب وأمثاله ، عليك أن تهتم بمذاكرة دروس المدرسة ) . وكنت آنذاك تلميذاً صغيراً في المرحلة الأولية ، وأخيرا توكلت على الله وقابلت العمودي الذي كان يقف آنذاك أمام احد الدكاكين ، وبعد السلام قلت له : ( إنني أريد كتاب ـ شمس المعارف الكبرى ـ الموجود معك سواء كان بالشراء أو استعارته ثم إعادته لك بعد يومين فقط ) . ـ وعودة لحديث الشياطين والسحرة ، فما ذكرته سابقاً كان بمدينة بور تسودان في أيام الصبا والشباب ، وهو قليل من كثير عايشته أو صادفته أو سمعت به ، وأيضا وبعد أن أصبحت كهلاً صادفتني حالة تؤكد بان الاعتقاد في السحر والسحرة لايزال هناك من يؤمنون بهم ، وفي كل الأوطان ، فهناك مسألة ( الزئبق الأحمر وماادراك ماالزئبق الأحمر ) . فقد راجت شائعة قوية في نهاية القرن الماضي تقول بان جراماً واحداً من الزئبق الأحمر إذا تم إهداءه للجن فان هذا الجن يزيد عمره خمسمائة عام بواسطة هذا الجرام ، ومقابل ذلك فان هذا الجني يعطي ملايين الدولارات لمن تكرم عليه بهذا الجرام من الزئبق الأحمر . وتكاملت هذه الشائعة لتقول بان الزئبق الأحمر يتواجد في إثيوبيا . ووقع كثيرين من أبناء الخليج فريسة للنصابين والمشعوذين .وشهدت فنادق أديس أبابا عددا من الرواد الذين ظلوا يقيمون بها فترة وهم يبحثون عن الزئبق الأحمر ومروجيه . تطرقت لهذا الأمر لأن هناك من توسم في ٌ خيراً بأنني سأوفر له طلبه من الزئبق الأحمر . ففي عام 1995م كنت تحت العلاج بمستشفى الملك خالد التخصصي للعيون بالعاصمة السعودية الرياض . وكان الزوار من الإخوان والأبناء يترددون على غرفتي بالمستشفى بإعداد كبيرة بشكل يومي للاطمئنان على سير العلاج بعد إجراء عملية جراحية لي في شبكية العين ، وقد عرف احد السعوديين بأنني ارتري بل وأتولى مسئولية في الدولة الإرترية " حاكم إقليم " فتعرف بي وزارني عدة مرات وفي أحدى هذه الزيارات صارحني قائلاً : ( إنني أريد الزئبق الأحمر ومستعد أن أعطيك مايلزمك وما يطلبه من المال مقابل ذلك ) . وعندما سألته عن هذا الزئبق الأحمر والأغراض التي يستعمل فيها ، شرح لي حكاية الجن والذي يعطيك الملايين من الدولارات مقابل الجرام الواحد من هذا الزئبق الذي يزيد في عمره خمسمائة عام . وعندما أنكرت له معرفتي بالأمر ـ وكنت صادقاً معه ـ قال لي : ( إن هذا الزئبق يتوفر في بلادكم ، وان رئيسكم يمتلك كمية هائلة من هذا الزئبق ويتكرم بجزء منها على الجن مقابل إعطائه مئات الملايين من الدولارات بشكل متواصل ) . وكدت أن انفجر من الضحك خاصة وإنني لا أؤمن بهذه الخرافات والأساطير ، كما لم أكن قد سمعت من قبل بقصة الزئبق الأحمر وعلاقته بإطالة أعمار الجان .
التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.
Re: ذكريات ناود : مع المشعوذين والدجالين كانت لنا أيام (التقييم: 0) بواسطة Anonymous في الأحد 30 أغسطس 2009
نحن فى انتظار كتاب حديث الذكريات والمذكرات يا استاذ ناود والذى اتاكد مائة بالمائة بانه سيكون رائعا جدا جدا جدا لاننى على علم ببعض هذه المذكرات الجميلة والتى كنت قد سردت لى بعضها وعلى العموم ربنا يعطيك العافية ويعينك فى تادية رسالتك الساميه ومتعك الله فى الدارين ولك منى كل الاحترام..... ابو مصعب